لحظة سرت أنباء تعليق الرئيس نجيب ميقاتي لجلسات مجلس الوزراء كنوع من اشهار الاحتجاج في وجه ما يعتبره التعطيل المستمر لوزراء "التيار الوطني الحر"، اتجهت الأنظار مباشرة نحو رئيس مجلس النواب نبيه بري على اعتبار انه "كاسحة الألغام" الجاهزة أمام مسيرة الحكومة الحالية منذ بدأت مشاورات تأليفها واستيلادها، وانطلاقاً من فكرة ان بري بات "يتعشق" ضمناً هذا اللقب الذي أطلقه عليه ميقاتي، واستمرأ هذا الدور الى درجة انه من أجله اضطر الى تجاوز رأي حلفائه الأقربين في بعض المعضلات والقضايا، والى استعماله كـ"مونة" عليهم رغم ادراكه لعمق الجرح الذي يسببه ذلك لديهم. لكن الرياح الآمال والتوقعات، سارت بعكس الوقائع والمعطيات حسبما أظهرته تطورات ومشاورات الايام الثمانية التي انقضت على بدء "الأزمة الحكومية"، مما طرح جملة تساؤلات حول مآل هذه الأزمة وامكان استغراقها وقتاً أطول مما هو متوقع لها. فالرئيس بري فاتح زواره الليليين بداية بأمر هذه الأزمة التي برزت من خارج كل الحسابات، مبلغاً إياهم بأنه جاهز لتلقف المسألة والبحث عن مخارج لها إذا ما اتصل به المعنيون، وطلبوا منه الشروع في الدور الذي أتقنه وبرع فيه.
ولم يطل الامر أكثر من 36 ساعة حتى أتاه "البطل" الرئيسي للازمة أي الرئيس ميقاتي، ساعياً وراء الحل، وكانت المفاجأة الكبرى ان رئيس المجلس أبلغ الزوار أنفسهم بعد ساعات على اجتماعه مع رئيس السلطة الاجرائية انه سيأخذ وقته الكامل قبل أن يبدأ بما هو منتظر منه، أي البحث عن أفق لتدوير الزوايا وتقريب وجهات النظر، توطئة لفرض المخرج الممكن.
وعلى الأثر بدأ المتابعون عن كثب لحراك الرئيس بري في رحلة بحث عن الاسباب الحقيقية الكامنة وغير المرئية، التي جعلته يتمهل في اداء الدور الذي يستمد منه حيوية سياسية وقيمة مضافة في عالم السياسة، فضلاً عن أهمية استمرار الحكومة بالنسبة اليه، وهو دور الوساطة وكسح الالغام أمام الحكومة. وبالطبع تعددت التفسيرات والقراءات، لكن بدا أن ثمة تفسيراً واحداً هو الأكثر قبولاً، عند الذين يعتبرون أنفسهم عارفين بعقل بري الباطني، مفاده ان القضية أكثر تعقيداً مما كان يعتقد الكثيرون، وتحتاج الى وقت ليقتنع القانعون بها بضرورة البحث الجدي عن مخرج، لأن لكل منهم رهاناته وحساباته الدقيقة، لذا فهو لن يبادر الى "حرق أصابعه" وليبدو في وضع العاجز عن ايجاد المخرج اللازم في الوقت الملائم والمعقول. وبمعنى آخر، وجد بري ان الذين اشعلوا فتيل الأزمة، قد أوصدوا الأبواب أمام فرص الحل، فبدوا غير متحمسين للتعجيل في استيلاد الحل. والثابت ان هذا الانطباع تعزز أكثر لدى بري في اللقاء الذي جمعه بميقاتي في عين التينة أول من أمس. فلا ريب ان بري أيقن من خلال العرض الذي قدمه ميقاتي ان ما يراه أسباباً ومسببات للأزمة الناشبة، يتخطى مسألة الاعتراض على اداء وزراء فريق سياسي أساسي مشارك في الحكومة ويشكل أحد مكوناته الخمسة. فثمة لحظة سياسية داخلية واقليمية حبلى بالمفاجآت والاحتمالات أملت على ميقاتي "تفجير" أزمة كان يمكنها أن تفجر منذ زمن وقد تفجر في أي لحظة راهنة ومستقبلية، وأملت عليه استطراداً القيام بزيارته الرسمية الموعودة منذ زمن الى باريس وحكومته تقيم على هذا الوضع شبه المشلول والمعطل أو على الأقل غير المكتمل والمخالف لطبيعة الامور.
وأبعد من ذلك انه شهر الاستحقاقات الداخلية والاقليمية، حيث ينتظر الجميع أن يولد هذا المخاض الحاد وضعاً مختلفاً وموازين قوى جديدة.
وعليه فإن بري السياسي المخضرم الذي عايش حتى الآن نحو 5 رؤساء وزراء لا بد ان يكون قد اقتنع ضمناً بأن ثمة مقصداً كبيراً غير مرئي فرض على ميقاتي الخروج عن وقاره وهدوئه في ادارة الامور، وبالتالي الضرب بقبضته بقوة على الطاولة، وخرق الدستور والاعراف وتعليق جلسات مجلس الوزراء وتحمل تبعات ذلك وتداعياته امام الرأي العام، فالأمر أكبر من مسألة خلاف على ملء مركز شاغر، على أهمية ذلك في العقل والحسابات السياسية اللبنانية.
وفي المقابل فإن بري ولكي يتيقن أكثر من ان اللحظة غير مؤاتية اطلاقاً لطرق أبواب الحل والقيام بدور الوساطة، فإنه لا ريب قد رصد ردة فعل حليفه "حزب الله" حيال الأزمة الحكومية المستجدة منذ لحظة خروجها الى العلن. فبعدما آثر الحزب الصمت في اليومين الاولين للأزمة مفصحاً عن "استرابته" من الموضوع كله، كان لنوابه الاحد الماضي موقفان متناقضان: الاول جاء على لسان النائب علي فياض، حيث بدا واضحاً في طيات كلامه ان ثمة عتباً كبيراً على ميقاتي لاقدامه على ما اقدم عليه، فيما كان النائب حسن فضل الله يطلق كلاماً سلساً، معلناً ان الحزب في صدد البدء بحراك سياسي غايته المعالجة ورأب الصدع الحكومي.
وفي اليوم التالي كان وفد من قيادة الحزب يزور الرابية بقصد إحياء ذكرى توقيع وثيقة التفاهم مع العماد ميشال عون، لكن بدا أنه ثمة رسالة انحياز واضحة من الحزب الى جانب مواقف حليفه "التيار الوطني الحر".
ولا ريب أيضاً أن ثمة من أوصل الى الرئيس بري مناخات من قصر بعبدا فحواها البعيد ان "سيد القصر" لا يبدو مستعجلاً إيجاد حلول ومخارج عاجلة للأزمة الناشبة لتوها، فهي بشكل أو بآخر تظهر ان كرة الأزمة عند تيار العماد عون وتبرزه وكأنه سبب "كل علّة" سياسية في البلاد.
وبناء على كل هذه المعطيات مجتمعة ومنفردة وصل بري، بحسب الذين يجلسون في دائرته الضيقة، الى استنتاج فحواه ان اللحظة غير مؤاتية لولوج باب البحث عن حلول للأزمة، وان دخول التجربة معناه "حرق اصابع" في مرحلة ضبابية في الداخل وفي الاقليم، وبالتالي، فان سياسة الانتظار على "رأس التلة" لجلاء الغموض وتبديد الالتباس تبدو أسلم الآن بالنسبة الى أي سياسي مخضرم يعرف بدقة خفايا الأفكار والرهانات والحسابات السياسية عند اللاعبين الأساسيين، ولا بأس إن طال أمد "الأزمة الحكومية" بعض الوقت، لأنه إذذاك سيكون دور "حلاّل العقد" اهم وأكثر مطلوبية.

