الجمهورية: واشنطن تقرأ في خطاب الاسد قطعا لخطوط العودة ومزيدا من التأزم

لم يكن خطاب الرئيس السوري بشّار الأسد مفاجئاً للمراقبين. فمجريات الأحداث كانت تشير كلّها إلى أنّ النظام قطع كلّ خطوط العودة إلى الوراء. مراقبون هنا في واشنطن اعتبروا أنّ الأسد ضيّع كلّ الفرص التي أُعطِيت له من أجل تجنيب البلاد الحرب الأهليّة. وها هو بخطابه الجديد يخيّب آمال حتى المحور الذي يستقوي به على الآخرين، ونعني به روسيا وإيران…

فإذا كان صحيحا انّ الاتصالات كانت تجري للوصول الى تسوية تضمن عملية انتقال هادئ وسلميّ للسلطة بمشاركة النظام نفسه، وسرّب الكثير من السناريوهات حولها… فالاسد اعلن موتها يوم امس حين اعلن في خطابه امس ان لا معارضين في سوريا، وأنّ الجميع هم مع الاصلاح الذي يقوم به النظام، من دون تحديد مُهل او إجراءات محدّدة .. لقد قطع الطريق حتى على شخصيّات "محسوبة على المعارضة" كانت تعتقد نفسها انّها قادرة على لعب دور الوسط او الوسيط، وسوّقت نفسها عند موسكو وطهران… حتى هذا الاحتمال انهاه الرئيس الاسد بخطابه امس… لا تسوية ولا مشاركة ولا تراجع…

الاسد نعى الجامعة العربية ايضا عندما اعتبرها الاداة التي تنفّذ "المؤامرة" التي تتعرّض لها سوريا. ومن الآن فصاعدا لم يعد مُهمّا جدّا متابعة ما سيصدر عن لجنة المراقبين من تقارير، سواء كانت متوازنة او منحازة. لأنّه ببساطة لا يريد للجامعة العربية أيّ دور، وكلّ دور لها هو بالتعريف انتقاص من سلطته و"رئاسته" المطلقة على سوريا.

الإحباط الذي يشعر به المراقبون من خطاب الاسد يخفّف من وطأته عدمُ إعلانه "الانتصار" كما كان يدّعي في خطاباته الثلاثة السابقة. بل هو يقرّ عمليّا انّه في مأزق على رغم نفيه وجود معارضة.

وعلى رغم أنّ ما صدر عن اجتماع اللجنة الوزارية العربية المعنية بالأزمة السورية يوم الاحد في القاهرة اعتبر من دون ادنى شكّ بأنّه كان مخيّبا هو الآخر لآمال الكثيرين، وخصوصا للثوّار السوريّين قبل غيرهم، إلّا أنّ استمرار دعم عمل المراقبين العرب يبقى أمراً مطلوبا ومرغوبا طالما إنّ الخيار الآخر البديل هو الانخراط في آتون الحرب الأهليّة.

هذا ما أكّدته واشنطن يوم أمس، حيث يؤكّد مصدر في الخارجيّة الاميركيّة انّ العمل يجري الآن على محاولة تجميع نقاط الحوار مع الاطراف الدولية الرئيسيّة المعنية بالملفّ السوري…

فالرئيس الصيني سيصل خلال ايّام الى منطقة الخليج، وعلى جدول اعماله الاتّفاق على كيفية استمرار تدفّق "النفط البديل" عن النفط الايراني. ووزير الخارجية السعودي موجود في واشنطن ويُجري محادثات يتمّ التكتم حولها، في حين يصل وزير خارجية قطر اليوم الاربعاء الى واشنطن، وإنّ الاتصالات جارية بدول مجلس الامن من اجل إعادة تحديد الخطوط العامّة للتحرّك المقبل.

مراقبون هنا في واشنطن قالوا إنّ "المرارة" التي تحدّث بها رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها حمد بن جاسم في المؤتمر الصحافي بعد اجتماع اللجنة الوزارية العربية يوم الاحد، كان يشير الى الخوف من المآل التي قد تصل اليه الاوضاع في سوريا في حال فشل دور الجامعة العربية. فشل يعني ايضا أنّ سقوط الضحايا من المدنيّين لن يتوقّف في هذه الفترة على الأقل.

فالنظام السوري يعتقد أنّه تمكّن حتى الآن من الصمود في وجه الضغوط التي يتعرّض لها لوقف العنف ضدّ المتظاهرين، وكلمة الرئيس السوري امس عكست هذا "الصمود" الذي سيفتح الباب امام تطوّرات دراميّة اكثر ممّا شهدته سوريا حتى الآن.

وهذا ما دفع برئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الى التحذير من أنّ الأمور في سوريا تتّجه نحو حرب اهليّة إذا ما استمرّت الامور على هذا المنحى.

ويرى المراقبون انّ العوامل التي حالت ولا تزال دون تبلور مواقف واضحة ممّا يجري في سوريا قد تكون هي نفسها العوامل التي ستعجّل بنقل الملفّ السوري الى مجلس الامن.

ويعتقد المراقبون أنّ الخوف هو من أن يتحوّل خيار الحرب الاهليّة الخيار الوحيد في سوريا، خصوصا عند المعارضة التي يدفهعا النظام دفعاً الى اعتماده.

وإذا كان في اعتقاد نظام الأسد أنّه يستطيع الفوز في تلك الحرب فهو على الارجح مخطئ.

تلك الحرب إذا حصلت، يقول مراقبون، ستعيد تعريف وتحديد احجام الجماعات التي يتشكّل منها النسيج السوري، والمجتمع الدولي سيعترف بذلك. عندها لن يعود نظام الاسد نظاما لكلّ سوريا، بل لجزء منها، وسيصل النظام عندها الى النتيجة ذاتها. ونشوة النصر التي يعتقد النظام انّه يعيشها، ستجعله يندفع اكثر نحو الاعتماد على القمع والعنف ضدّ الثائرين في المدن السوريّة. وهذا ما سيعجّل في خروج الملفّ من يد الجامعة العربية و"تدويل" الأزمة بطريقة دراماتيكيّة.

ويحذّر الكثيرون من التسريبات التي يطلقها النظام السوري عن الوضع الميداني، ويقول فيها إنّه يحتاج الى وقت للقضاء على بضعة آلاف من الناشطين الذين يقودون الاحتجاجات ضدّه، وإنّه بعد ذلك يستطيع اعادة الامور الى نصابها، والجلوس الى طاولة المفاوضات مع من يهمّهم الامر في المجتمع الدولي.

ويقولون إنّ هذا المنحى الخطير ستكون له تداعيات خطيرة ليس فقط على مستقبل الصراع داخل سوريا وحسب، بل وعلى الاستقرار الاقليمي كلّه.

فالنظام ليس مستعدّاً حتى اللحظة للاعتراف أو لإدراك أنّه فقد شرعيتة التاريخية والموضوعيّة لحكم سوريا. وهو ليس مستعدّاً للإقرار بأنّ الشعب السوري لم يعد قادراً على العودة الى الوراء، خصوصا وأنّ المعادلة الدوليّة والاقليميّة التي كانت تحمي "الستاتيكو" العربي قد انتهى تاريخ صلاحيتها لمصلحة نظام عربي جديد هو قيد التشكّل.

والخطورة تكمن أيضا في أنّ انفلات الصراع داخل سوريا نحو آفاق جديدة، سيحوّل الأزمة، شاء النظام السوري أم أبى، الى قضية تعرّض الامن الاقليمي والدولي الى اخطار حقيقيّة، ما يجعل من تدخّل مجلس الامن أمراً حتميّا.

ويعتقد مراقبون هنا في واشنطن انّ تنسيقا سياسيّا واضحا يجري بين الخطوات التي قام ويقوم بها النظام السوري، وما يقوم به النظام الايراني في هذه الفترة بالذات. ويؤكّدون انّ تركيز الضغوط الاميركيّة على طهران، من شأنه إسقاط الاصل قبل الفرع.

ويبدو جليّا أنّ سياسة الهروب التي تمارسها طهران سواء عبر مناوراتها العسكرية او تهديداتها بإقفال مضيق هرمز وصولا الى الزيارات "البروباغندية" التي يقوم بها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى الدول اللاتينية، تصبّ كلّها في خانة محاولة كسر الطوق الذي بات يضغط اكثر فأكثر على خيارات النظام الايراني.

غير أنّ مصدراً أميركيّا في البنتاغون تساءل يوم امس بعد الاعلان مرّة ثانية عن إطلاق البحرية الاميركية سراح بحّارة ايرانيّين كانوا محتجزين من قبل قراصنة صوماليّين، تساءل هذا المصدر أنّه إذا كان سلاح البحرية الإيراني عاجزاً عن إنقاذ بحّارة إيرانيّين، فكيف له القدرة على إغلاق مضيق هرمز؟!

ويضيف هذا المصدر بالقول إنّ ما تقوم به طهران لا يعدو كونه مزاحا، سواء في البرّ أو البحر، وحاملة الطائرات الاميركيّة "كارل فينسون" وصلت الى قاعدتها في البحرين لتنضمّ الى الاسطول الخاس المرابط هناك من دون مشكلة.

غير أنّ هذا المصدر يحذّر في الوقت ذاته من لجوء "المحور الايراني السوري" الى اوراق وأدوات اخرى لم يجرِ استعمالها بشكل فاعل حتى الآن… ويشدّدون على التنبّه لما يمكن ان يجري في لبنان في المرحلة القريبة المقبلة او لما يجري في العراق…

ويرى هذا المصدر أنّ هناك تخوّفاً حقيقيّا من انفلات الوضع الامني في العراق وما يمكن ان يحدثه من اضرار ليس في العراق وحده بل وفي المنطقة وعلى المصالح الاميركيّة، وإنّ "خليّة أزمة" خاصة بالعراق تواكب ما يجري هناك بدقّة.

  

السابق
الشرق: الاسد يقفل باب المبادرات ويستعد للحوار والمعارضة تطالب بالتدويل
التالي
التكيف..هل يبقى بارداً؟