يتزامن تفجيرا دمشق مع فشل مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن، ووصول طلائع المراقبين للإشراف على تنفيذ المبادرة العربيّة، وكانت الجامعة مربكة، وجاءت إدانتها للتفجيرين ملتبسة، فلا هي تريد تحميل النظام مسؤوليّة ما جرى، لأنّها لا تملك الدليل القاطع الذي يضعه في دائرة الاتّهام، ولا تريد إلصاق التهمة “بالقاعدة”، كيلا تدفع بالصراع الى منحى مذهبيّ بعيد عن الإصلاحات المطلوبة.
وتدرك الجامعة بأنّ النتيجة المباشرة للتفجيرين كانت مصادرة البروتوكول الذي وقّعت عليه دمشق تحت تأثير الضغوط، في محاولة لتعديل آليّة تنفيذه على قاعدة أنّ المراقبين مرحّب بهم إذا كانت المهمّة وفق ما يريد النظام، وغير مرّحب بهم إذا كان الهدف فضح تصرّفاته. ويؤشّر إرباك الجامعة الى جسامة الخطر الذي بلغه المشهد السوري الدامي، بعدما بدأت “السورنة” تنزلق نحو “العرقنة”، كون العمليّات الانتحاريّة لم تعد حكراً على بغداد، بل انتقلت الى دمشق، وإنّ الصراع لم يعد حكراً على أنّ “الشعب يريد إسقاط النظام”، بل انتقل بعد التفجيرين الى شعار جديد: “النظام يريد حماية الشعب من الإرهابيّين” بعدما أصبح المواطن البريء هو الهدف.
ويكفي تسجيل ملاحظات ثلاث: الأولى أنّ معظم ردود الفعل الغربيّة قد حمّلت النظام المسؤوليّة، لأنّ هناك مصلحة حقيقيّة في أن تبقى الأولويّة لشعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، بدلاً من المحاولات الرامية الى استبدالها بأولويّة أخرى هي أنّ “النظام يريد إسقاط الإرهاب دفاعاً عن الشعب؟!”.
الثانية، الانقلاب على البروتوكول، ومهمّة المراقبين، وحتى على المبادرة العربيّة بحجّة أنّ الأولويّة لم تعد محصورة بتنفيذ مندرجاتها الإصلاحيّة، بل بمواجهة الإرهاب والتصدّي للعرقنة الزاحفة الى الداخل السوري.
والثالثة، تحسّس أحوال الجبهة اللبنانية عل طول الحدود الممتدّة من الشمال حتى عرسال. ويجب الإقرار بأنّ ظاهرة السيارات المفخّخة في دمشق قد أربكت اللبنانيّين بكلّ أطيافهم وطوائفهم، وزادت من منسوب الهواجس والأسئلة المربكة عندهم على قاعدة: هل يبقى لبنان بمنأى، وهو الذي يعاني من ساحة وطنية غير محصّنة نتيجة الانقسامات السياسيّة والطائفيّة، فضلا عن التورّط الإعلامي والمعنوي في المشهد الدمشقي، وقد تزامن حدث التفجيرين بعد أقلّ من 24 ساعة على شيوع معلومات من مصادر رسميّة تفيد عن تسللّ بعض العناصر الإرهابيّة من منطقة عرسال الى سوريا، بحجّة أنّها تنتمي الى المعارضة السوريّة؟
والمفارقة أنّ الغالبيّة تتعاطى مع هذه الحلقات وكأنّها غير مترابطة، فيما الأقلّية تتعاطى معها وكأنّها عنوان لمرحلة مقبلة ستكون شديدة التداعيات إنْ لم يحزم اللبنانيّون أمرهم في مواجهتها بإرادة وطنيّة واحدة، وخيارات واضحة.
أمّا الأسباب فكثيرة، إذ لا يكفي أن ينأى لبنان بنفسه عن المشاركة في هيئة المراقبين المكلّفين بتنفيذ المبادرة العربيّة، عملا بالمثل الشعبي “الباب يللي بيجيك منّو ريح… سدّوا واستريح”، بل إنّه بات مطالبا بنشر المراقبين على حدوده، وخصوصا في المناطق والثغور اللبنانية – السوريّة المتداخلة – وهي كثيرة – لمراقبة حركة التنقّل، والحدّ من التسلّل، وشلّ أيّ تحرّك للنشاط الإرهابي بين البلدين. فهل يوافق لبنان الرسمي والسياسي على مثل هذا الطلب تحت مندرجات العمل على تطبيق القرار 1559، أم سيدرج هذا الموضوع كبند إضافيّ جديد على جدول أعمال التباين الوطني والانقسام السياسي حول ما يجري في الداخل السوري، واحتمال انعكاسه على الداخل اللبناني.
وهناك قلق مشروع في أن تصبح مناطق عرسال وعكّار جزءاً لا يتجزّأ من المواجهات الدامية في حمص وجوارها ما بين النظام والمعارضة، وبكلام أكثر صراحة، ما بين النظام العلويّ والإخوان المسلمين، وسائر التنظيمات والمنظمات الأصوليّة الأخرى، خصوصا وإنّ الكلام عن تسلّل إرهابيّ من منطقة عرسال البقاعيّة الى الداخل السوري قبل يومين من انفجاري دمشق، قد عزّز الخشية من تمدّد التداعيات باتّجاه مناطق لبنانيّة.
ويأتي الانقسام الدولي حول مشروع القرار الروسي ليزيد من التعقيدات، كان البحث في مجلس الأمن حول أيّ عنف يجب أن يُدان، هل المتأتّي من النظام أم من الجماعات المسلّحة؟ لقد قدّم مشروع القرار الروسي إدانة متوازنة، إلّا أنّ الغرب أصرّ على رفض “التوازن”، كان هذا قبل انفجاري دمشق، بعد الانفجارين أصبح الوضع برُمّته بحاجة الى إعادة نظر: عمل المراقبين، البروتوكول الشهير، المبادرة العربيّة، لأنّ كلّ الطرق السالكة الآن تؤدّي الى “عرقنة” الوضع السوري، و”العرقنة ” يمكن أن تؤدّي بدورها الى التدويل.

