صرف الربيع العربي، وصرفت أحداثه وتقلباته، الانتباه عن الموضوعات الاستراتيجية، ومن بينها تغيير المواقع والأدوار، الناجمة في قسم منها عن الانسحاب الأميركي من العراق، وفي قسم منها عن زيادة التأزّم في القضية الفلسطينية، وفي قسم ثالث عن الثورات وحركات التغيير العربية· ومن المعروف أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كان قد تحدث في مؤتمر القمة العربي الأخير بمدينة سرت الليبية في ربيع العام 2010 عن حالة <الخواء الاستراتيجي> التي يُعاني منها العرب، والتي جرّأت على التدخلات الدولية والإقليمية وبأشكال مختلفة·
وما تزال هذه التدخلات موجودة أو جارية، وإنما اضطربت الخطط والاستراتيجيات نتيجة حصول الثورات العربية، والتي أحدثت وتُحدث تغييرات في سائر أنحاء المشرق والمغرب العربيين وما وراءهما، فالأميركيون كانوا قد قرروا الانسحاب من العراق قبل حدوث الثورات· وكان تقدير الإيرانيين وحلفائهم بالعراق ولبنان، أن هذه البلدان – وفي قلبها سوريا – ستصبح منطقة استراتيجية يسود فيها نفوذهم، وبنتيجة ذلك سيضطر الخليجيون والأميركيون الى التفاوض معهم والتنازل لهم· وهذا التشدّد والانسياح الإيراني، لاقاه تشدّد وانسياح اسرائيلي هدفه إسقاط مسألة الدولتين، والإفادة من الضعف الأميركي في تثبيت السيطرة وتأجيل المشكلة وسط الاهتراء والانقسام الفلسطيني·
وحدث الربيع العربي انطلاقاً من تونس، وبدأ تأثيره الصاعق بالمشرق باندلاع الثورة في مصر، ووصولها إلى اليمن وسوريا· وقد أحدثت الثورات اضطراباً شديداً لدى الإيرانيين ولدى الاسرائيليين بالذات· وهكذا اندفع الإيرانيون لمواجهة الجمهور العربي· ففي البحرين صعّدوا الاضطراب، وفي سوريا وقفوا مع النظام ضد الناس، وفي لبنان استماتوا في الدفاع عن الحكومة الميقاتية التي أنشأها حزب الله وحلفاؤه السوريون· أما الأميركيون فقد أظهروا تلاؤماً مع الحراك التغييري، حتى بعد صعود الاسلاميين في المشهد· ويبقى الاسرائيليون متحيرين ومنقسمين، فباراك وزير الدفاع يرى أن زوال الأسد خيرٌ لإسرائيل بينما يرى نتنياهو أن بقاء الأسد فيه ضمانة لإسرائيل· ويذهب المالكي رئيس وزراء العراق مذهباً وسطاً في الظاهر، لكنه في الواقع يدعم الإيرانيين والنظام السوري، ويقول للأكراد إن التدخّل الايراني أخف وطأة وأقل ضرراً من الخطر التركي!
إن الواقع أنّ الاميركيين يعيدون حساباتهم، فالايرانيون ما عادوا شركاء بعد عقد من التعاون منذ الاحتلال الاميركي لأفغانستان والعراق·
ويوشكون على التخلّي عن تلك التسوية بين سوريا والعراق، اي العراق لإيران، وسوريا لسلام الحدود مع اسرائيل، اي لإيران ايضاً! والاسرائيليون لا يكمن تعقيد مشكلاتهم او حلها ببقاء النظام السوري او ذهابه، بل بالسير أولاً وأخيراً في مشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة· واسرائيل وايران والولايات المتحدة وتركيا – هذه الاطراف جميعاً، صارت اطرافاً خارجية، ما دام مراد الثورات اعادة ادارة الشأن العام في البلاد العربية الى ابنائها في نظام ديمقراطي·
إنه إقليم جديد بموضوعات جديدة· فلا استقرار إذا تأخر سقوط نظام الاسد، ولا استقرار وإن نجحت الثورات إلا بحل المشكلة الفلسطينية·
وهكذا فالملاءة الاستراتيجية هي مآلُ التغيير في المشرق العربي!

