حتى اللحظة، لم يخرج مسؤول في حزب الله يشرح حقيقة ما حصل في ملف الأجور.
حتى اللحظة، لا يعرف اللبنانيون من يصدّقون:
الوزيرين اللذين أيّدا مشروع الرئيس نجيب ميقاتي ولم يناقشا مشروع وزير العمل شربل نحاس، أو وحدة النقابات العمالية في الحزب التي رفضت ما صدر عن الحكومة ودعمت التظاهر احتجاجاً.
حتى اللحظة، لا يعرف اللبنانيون ما إذا كان حزب الله يرفض أصلاً خطة وزير العمل، أو أنه اقتنع بمشروع رئيس الحكومة، ولماذا عاد النقابيون في الحزب ورفضوا ما صدر عن الحكومة.
حتى اللحظة، لا يعرف اللبنانيون إذا ما كان سلوك الوزيرين محمد فنيش وحسين الحاج حسن عكس قرار قيادة الحزب، أو كان اجتهاداً شخصياً.
حتى اللحظة، لا نعرف كيف اتخذ الحزب قراره: كيف دعم المشاريع الإصلاحية المقدّمة من التكتل النيابي الذي يترأسه العماد ميشال عون، ثم كيف لم يدفع إلى مناقشة أول بند من هذه المشاريع المتمثل بملف الأجور والتقديمات الاجتماعية. ثم ما هي الحجج التي قدمها الرئيس ميقاتي كي يقتنع ممثلا الحزب، وهل حُسم الأمر خلال دقائق، أي ما بين انتهاء الوزير نحاس من عرض مشروعه وبدء عرض الرئيس ميقاتي لمشروعه.
حتى اللحظة، لا نعرف إذا ما كانت الهيئات القيادية المعنية في الحزب، من وحدة النقابات إلى الهيئات الاجتماعية المعنية بقضايا الناس ومجلس العمل النيابي والهيئة المسؤولة عن الاتصالات السياسية والوزراء والفريق الاستشاري السياسي، هل ناقش كل هؤلاء المشروع وقرروا وجهة محددة عبّر عنها الوزيران في جلسة الحكومة، ثم تبين أنها خطأ أو جاءت بنتائج مخيّبة اجتماعياً وسياسياً وحتى أخلاقياً؟الاستنتاج البديهي إزاء عدم خروج أي مسؤول في الحزب يشرح ما حصل، هو أن الحزب، الأكثر قوة وحضوراً ونفوذاً في لبنان، أصيب بارتباك في هذه اللحظة، وهو ارتباك يتعلق باستراتيجية الملف السياسي الداخلي، ويناقض كل التماسك والوضوح والمباشرة والدقة والواقعية والمبدئية والمثابرة في متابعة الأزمة السورية من جهة، وفي متابعة شؤون المقاومة الأمنية والعسكرية واللوجستية.
هل يمكن تجاوز ما حصل؟ وهل على جمهور المقاومة وجمهور التحالف بين الحزب والتيار الوطني الحر والجمهور الداعم للبرامج الإصلاحية التعامل مع ما حصل من دون مراجعة أو محاسبة أو مساءلة أو مساجلة للحزب ومصارحته بأن هذا الخطأ، سواء كان مدروساً أو حصل على غفلة، هو خطأ جسيم، أو هذه هي الصورة في الجانب الآخر من قاعدة التحالف السياسي والشعبي الذي يمثل حزب الله أحد أعمدته الرئيسية.
إنه خطأ يسمح للخصوم، لا للتافهين منهم، بل للخبثاء الموجودين داخل الجسم السياسي لا خارجه، بأن يمارسوا ألعابهم الأثيرة في التحريض على كل التحالف الذي قام بين الحزب والتيار منذ نحو ست سنوات. وهو خطأ يسمح للمتدخلين، لا للحاقدين منهم، بل للمختبئين خلف ستارة إصلاحية أو فئوية، ببثّ السموم القاتلة في شرايين الجسم العوني الغاضب.
وإذا كان واقع حزب الله يمنع ارتدادات سلبية للأمر داخل جسمه، فهذا لا يعني أن الأمر هو نفسه عند أنصاره،
أو الملتصقين به من غير عناصره. ففي لحظة الانفعال يصبح الصوت واحداً عند القاعدتين. وعندها يجب على قيادة حزب الله الخروج إلى الناس في الشارع، وقول ما يجب أن يقال، من دون أي تدوير للزوايا أو تأويل للمواقف أو تبرير في غير مكانه، إلا إذا كان الحزب يرى أن بقاء الرئيس ميقاتي في رئاسة الحكومة شرط ضروري في هذه المرحلة.
قبل هذا الخطأ، كان حزب الله قد صاغ منطقاً سياسياً في مقاربة ملف تمويل المحكمة الدولية، أظهره مهزوماً يوم قرر الرئيس ميقاتي تمويل المحكمة على طريقته الخاصة. صحيح أن الرئيس نبيه بري هو من أعدّ المخرج لملف التمويل، لكنه لم يكن ليفعل لولا حصوله على تفويض واضح من حزب الله. والحديث لا يدور عن تفويض ملتبس، بل هو أشبه ما يكون بإضاءة الشارة الخضراء كي ينطلق الرئيس بري في سيره نحو الحل الذي يحفظ بقاء الحكومة.
وعندما أطلّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، عارضاً لمراحل ملف التمويل، وأخرج إلى العلن مشروع التفاهم الساقط مع الرئيس سعد الحريري، ثم عرض مطالبه في المقابل لناحية ملف شهود الزور والبرنامج الإصلاحي، كان الجميع ينظرون إلى كلام السيد على أنه نقاش توضيحي مع جمهور الحزب أولاً، ورسائل إلى من يهمه الأمر ثانياً، لكن لا الرسائل وصلت إلى عناوينها، ولا النتائج تحققت.
جمهور الحزب مصاب بصدمة جديدة، وجمهور التيار يلفه الحزن والقهر والحيرة. بينما يقول الرئيس ميقاتي، ليل نهار، إنه سيترك لنفسه الوقت المناسب لمناقشة ملف شهود الزور، والله أعلم إذا كان سيفعل ذلك. أما المشاريع الإصلاحية، فقد أحالها رئيس الحكومة على مجلس الوزراء، لكنه قرر لها وجهة سير غير تلك التي وردت في الأسباب الموجبة التي أعدّت هذه المشاريع على أساسها…
السؤال الذي يفترض أن يشغل بال قيادة حزب الله هو:
هل ثمة تعارض فعلي بين مشروع التحرير ومشروع التغيير الداخلي؟

