مقاربةٌ نفسيّة_سياسيّة لخطبة نصر الله

تستدعي إطلالة الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله في العاشر من محرّم أوّل من أمس ثلاثة أسئلة رئيسيّة.

السؤال الأوّل: ما دافعُه إلى الظهور المباشر بين الناس لدقائق قليلة قبل أن يعود إلى مخاطبتهم – كالعادة – عبر الشاشة الكبيرة؟ والسؤال الثاني: ما حاجتُه – وما المبرّر – إلى الحديث عن تزايد أعداد الحزب ومقاتليه وعن الوتيرة المتصاعدة عندَه للتدريبات وعن توسّع السلاح والتسليح؟ والسؤال الثالث: ما الذي حدا به إلى التحدّث عن رئيس المجلس الوطني السوريّ برهان غليون ومخاطبته إسميّاً؟

هيَ أسئلةٌ ثلاثة عن ثلاث محطّات لافتة في إطلالة نصرالله العاشورائيّة.

وفي الإجابة عن تلك الأسئلة، لا شكّ أنّ قرار الظهور المباشر بين الحشد إنّما يعبّر عن هدف "تعبويّ"، عن رغبة في ما يُسمّى "شدّ العصب" لدى الجمهور، على قاعدة أنّ لظهور "القائد" مفعولاً "تجييشيّاً". وأن يتّخذ نصرالله قراراً سياسيّاً – أمنيّاً بذلك، فمن الواضح أنّ ثمّة خللاً استشعر به، فوجد أنّه لا بدّ من تصحيحه وأن يقولَ لجمهوره: إنّني لا أزال هنا ولا أزال معكم وبينكم!

أمّا حديثُ نصرالله عن تزايد المقاتلين والتدريب والتسلّح، فيقعُ أيضاً في خانة التعبئة والتجييش، إذ يرادُ منه القول للمحازبين والمناصرين: لا نزال أقوياء بل نزداد قوّة!غيرَ أنّ لنصرالله في قوله هذا استهدافات أخرى. فبالتأكيد هوَ هنا لا يردّ على أحد، لإنّ أحداً من خصوم "حزب الله" لم يقُل إنّ الحزب "تراجع" أعداداً وتسليحاً. لكنّه بالتأكيد أرادَ تخويف وترهيب اللبنانيّين الآخرين الذين يخاطبُهم بإعلانه هذا. وقد بلغَ في هذا الجانب حدّ التحدّي عندما أكّد أنّ السلاح مستمّر وبدون أيّ حوار… أي كأمر واقع.

طبعاً، عندما يعلنُ نصرالله ما أعلنه في هذا المجال، فليس مؤكّداً أنّه طمأن ناسه وجمهوره، لأنّ التأكيد على تعزيز فائض القوّة لا يطمئن الناس الذين يلزمهم "حزب الله" بتأييد فائض قوّة لا تستدعيه الوظيفة الدفاعيّة المزعومة لـ"المقاومة" ضدّ إسرائيل. أمّا الجمهور الآخر وقياداته فلا يمكنهم أن يفهموا من تأكيداته إلّا إدخالاً للبنان في آتون ما نسبَه نصرالله سابقاً إلى 14 آذار، أي النزاع الأهليّ.. إلّا إذا كان نصرالله يقول بطريقة مواربة: أنا قويّ كفايةً ففاوضوني!. والسمج في ما قيل إنّ على الدولة السيطرة على أسلحة الكلاشينكوف والقنابل و"الآر.بي جي" لتُترك الصواريخ والأرض – جو والأرض – أرض والأسلحة البحريّة والمدرّعات ألخ!

أمّا التحدّث عن برهان غليون فمثير بحدّ ذاته. فالمفترض أنّ السيّد نصرالله المدافع عن نظام الأسد "نظام المقاومة والممانعة"(!) لا يعترف بوجود معارضة لهذا النظام، والمفترض بحسب خطاب "حزب الله" أنّ الصراع في سوريا قائم بين نظام مقاوم (!) من جهة وعصابات تحرّكها مؤامرةٌ أميركيّة – إسرائيليّة (!) من جهة أخرى. فلماذا خطرَ غليون على بال نصرالله إذاً؟

إنّ هذا التذكّر الذي يدخلُ في إطار علم النفس، ليسَ إلّا اعترافاً – في عمق السيّد – بوجود المعارضة السوريّة لبشّار الأسد.

وبالمناسبة، يعرفُ نصرالله تمام المعرفة أنّ شخصيّات عدّة من المعارضة السوريّة التقته أكثر من مرّة، أو هي التقت مسؤولين من الحزب، كما حصلت لقاءات مع مسؤولين إبرانيّين. ويعرف نصرالله أنّ المعارضة السوريّة دعته إلى عدم التمادي في تأييد نظام الأسد ودعمه، وطالبته بعدم الاصطدام بالشعب السوريّ وثورته، وحذّرته من الدفع بالجانب المذهبيّ في سوريا، وسألته تحييد نفسه عمّا يجري في بلادها. وأبلغته بموقفها الوطنيّ ضدّ إسرائيل وذكّرته بأنّ أبرز مآخذ لها على نظام الأسد هو إسقاطه لاستعادة الجولان من أجندته على مدى أربعة عقود. وعندما قال برهان غليون ما قاله قبل بضعة أيّام عن قطع العلاقات مستقبلاً مع إيران و"حزب الله"، فذلك كان نتيجة لمفاوضات مع إيران – "حزب الله" لم تسفر عن وقف تدخّل هذا الثنائي في الشؤون السوريّة وعن وقف اشتراكهما في قمع السوريّين. وإذا كان نصر الله شاء أن يضع مواقف غليون في خانة تقديم "أوراق اعتماد" إلى أميركا وإسرائيل، فالحقيقة هي أنّ مواقف المجلس الوطني السوريّ تعبير عن استياء حيال إيران – "حزب الله" وعن شجب لتسعيرهما الصراع المذهبيّ في سوريا ولبنان… والمنطقة.

إنّ هذه الإجابات جميعاً عن الأسئلة التي استدعتها الإطلالة الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" يمكن تلخيصها ببضع كلمات.

إنّ "حزب الله" مأخوذٌ من جوانب عدّة مترابطة هو في هذه الأيّام حزب مرتبك.. حتىّ على مستوى حكومته في لبنان، حكومته التي تترنّح يوميّاً.

وهو حزبٌ مأزومٌ في خياراته الاستراتيجيّة، وهو لا يستطيع أن يخبرَ أحداً أنّ ما يجري للنظام في سوريا لا يُؤثّر عليه، فكيف إذا كان مركزُه في طهران مأزوماً أيضاً؟

وهو حزبٌ متوتّر، وتذكيرُه اليوميّ بأنّه قويّ لا يسترُ حقيقة التوتّر.

وهو حزبٌ يخبطُ عشوائيّاً. وللأسف الشديد فإنّ إحياء الأيّام العشرة من شهر محرّم كان استنفاراً مذهبيّاً استفزازيّاً لا يليق بذكرى الإمام الحسين. وعلى أيّ حال فإنّ الشيعة في غير مكان من العالمَين العربيّ والإسلاميّ دفعوا هذا العام أثماناً باهظة للسياسة الإيرانيّة (مجازر في العراق وأفغانستان).

والقولُ واجب للسيّد نصرالله: إنّ تغطية الارتباك والتوتّر والتأزّم بالقوّة الماديّة (التسليحيّة) ليست سياسةً حكيمة.

لا يا سيّد. ستفاوض حتماً، والقوّة التي بين يديك يمكنها أن تحدث فتنة ولكنّها لن تنتج حلّاً. والشيعةُ ليسوا ملكيّة خاصة. هم تحلّقوا حولك سنوات باعتبارات سياسيّة. لكن ما هي السياسة من وراء "الذروة العسكريّة"؟ أهي للدفاع عن لبنان أم هي للمبادرة إلى حرب على أجندة إيرانيّة – سوريّة؟

ستفاوضُ حتماً. والأفضل للبنان بكلّ طوائفه ألّا تؤخّر هذا الاستحقاق.

أفضل قبلَ سقوط بشّار!  

السابق
السفير: الترويكا تصادر عيدية الأجور … وعون يؤجّل المواجهة
التالي
فيلتمان:على المسؤولين حماية لبنان من الوضع في سوريا