مفارقة تكرار الأخطاء بين الحكومتين

لم يكن سهلا على الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تبرير الموافقة على تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كيفما كانت هذه الموافقة ضمنية او اساسية او شكلية او حتى بغض النظراو التغاضي عن قرار لرئيس حكومة سماه الحزب من اجل نقض المحكمة بالذهاب الى الضغط على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من اجل مقايضة ذلك بملف ما يسمى "الشهود الزور" او اعادة الاعتبار للتيار الوطني الحر بتحقيق مطالبه في التعيينات بعدما ادت مزايدته في موضوع المحكمة الى اصابته في الصميم. فالحزب وصلته وفق مصادر في الاكثرية اصداء فورية عن تراجعه عن موقفه فضمن السيد نصرالله خطابه كل الردود المحتملة على ما قد يثيره منتقدوه من مؤيديه او خصومه. اذ بالعودة الى المراحل الزمنية التي سلكها الحزب على طريق نقض المحكمة كان رفضه وفق ما جاء في خطاب سابق للسيد نصرالله ما اعتبره تنازلا من الرئيس سعد الحريري عن المحكمة حين لم يكن القرار الاتهامي قد صدر بعد ولم تكن وجهت اصابع الاتهام الى عناصر من الحزب.
 وقد اعتبر كثر يومها ان الحزب ارتكب خطأ جسيما حال دون اقفال ملف المحكمة وفق ما يتهم به الحريري في ما سمي ورقة التنازلات كما انه كان يتوقع ان ينهي هذا التنازل الحريري سياسيا ما دام تنازل عن المحكمة التي يفترض ان تأتي بالعدالة لوالده وفق ما جاء في الحملات لاحقا. ويبرز خطأ اطاحة الحكومة السابقة في هذا السياق اكثر جسامة ما دامت الحكومة برئاسة ميقاتي عادت الى تمويل المحكمة مع ما ساهمت هذه الاطاحة من اثارة المشاعر المذهبية وتعميق الازمة السياسية في البلد. ويضاف الى ذلك ان الحزب لم يعمد في اي لحظة الى ترك الابواب مفتوحة جزئيا امام احتمالات ممكنة. فحين يذهب الى اعتبار المحكمة اسرائيلية واميركية وانه لا يقبل ولا يرضى بالتعاون معها في حين تقوم رئاسة مجلس الوزراء التي للحزب اليد الطولى في تسمية رئيسها بتمويلها فان الامر يغدو صعبا ومكلفا وليس سهلا تبريره. بل انها مفارقة كبيرة لافتة ان يرفض الحزب اتفاقا "لاطاحة" المحكمة او التنازل عنها في حين تعمد حكومته الى تمويلها ورئيس الحكومة لم يأت بالأموال من جيبه او من جمعية خيرية تابعة له. ووقع التيار الوطني الحر في خطأ جسيم مماثل وقد شغل عبر القفزة في الهواء التي قام بها بالمزايدة على الحزب نفسه في الحملة على المحكمة او في المسارعة الى تطيير الحكومة صالونات قوى 8 اذار اكثر منها صالونات خصومه ثم بطريقة استيعاب ما قام به.
حلفاء التيار العوني اعتبروا خطوته ضربة في الهواء وتصب في مصلحة قوى 14 اذار باعتبارها ساعية كمعارضة الى اسقاط الحكومة واتى تهديده ليقدم لها هدية مجانية . وقد تلقى ردود فعل فورية سلبية على ما اعلنه وزراؤه من رفض النائب سليمان فرنحية التضامن معه من اجل استقالة الحكومة ولو انه يتضامن معه من اجل مطالبه وكذلك بالنسبة الى الطاشناق بحيث باتت كتلته النيابية مهددة تحت وطأة عدم تنسيق المواقف معهم. وحين كان التيار في وارد تصعيد مواقفه من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في احتفال كان مقررا في جبيل بعد ساعات على اعلان مقاطعة جلسات مجلس الوزراء ، افادت معلومات انه تم التمني على التيار عدم مفاجأة حلفائه بالمزيد من المواقف وفق ما نقل متصلون بـ"حزب الله". الامر الذي ادى الى خلو الاحتفال العوني من اي تصعيد اضافي وتم غض النظر عن مضمون كان اعلن مسبقا ما سيرد فيه والى اجتماع في اليوم التالي للكتلة تولى بعده الوزير جبران باسيل على نحو لافت الكلام على عكس ما هو معهود لدى التيار الذي يتولى الكلام باسمه العماد ميشال عون الذي وقف جانبا وراء باسيل الذي بدأ وضع الماء في نبيذ موقف التيار بعدما حمل وحده في الاشهر الاخيرة لواء الهجوم على المحكمة في حين كان "حزب الله" يكتفي بالكلام اجمالا على المحكمة بانها لا تعنيه من دون ان يعني ذلك تغيير موقفه منها.

لذلك يفهم الجميع محاولة السيد نصرالله الحصول على ترضية كبيرة للتيار الذي سبق ان مني باجوبة سلبية من رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن رئيس الحكومة ردا على تحميله وزير العدل شكيب قرطباوي مطلبا بتعيين احد القضاة رئيسا لمجلس القضاء الاعلى. اذ ان بري سرد على قرطباوي الذي يضطر الى حمل مثل هذا المطلب الى كل من رئيس المجلس والحكومة انه حين تسلم وزارة العدل تمسك باحترام التراتبية في معرض القول ان من يقترحه العماد عون لا يصب في هذا الاطار خصوصا ان رئاسة مجلس القضاء الاعلى هي تتويج لمسار مهني وليس العكس. كما سمع قرطباوي من ميقاتي ضرورة رفع ثلاثة اسماء الى مجلس الوزراء لكي يصار الى الاختيار من بينها. ومع ان مصادر وزارية عدة تقر بحصة كبيرة لا بد منها لعون في التعيينات لكن ليس كل التعيينات، فان ما تخشاه هذه المصادر ان تتزايد الضغوط على الرئيس ميقاتي من اجل الحصول على ترضية معنوية كبيرة في حين ان الخلاصتين الاساسيتين اللتين ينبغي البناء عليهما هما ان احدا لا يمكن ان يقرر او ان يأخذ البلد حيث يريد ووجوب ان يكون التمويل بابا الى السعي الى مصالحة داخلية لا بد منها.  

السابق
حملة حول السيدا في بيروت العربية
التالي
الاخبار: أول مطالب عون على طاولة مجلس الوزراء الأربعاء