المشهد اللبناني اسير التطورات السورية، وقد ازدادت هذه التطورات تسارعا سلبيا امس، مع رفض الجامعة العربية التعديلات السورية على المبادرة العربية، ما زاد من منسوب القلق اللبناني العام.
يضاف الى ذلك الاستحقاقات الداخلية على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وابرزها اثنان: تمويل المحكمة الدولية الذي دقت ساعته، كما يقول ميقاتي، ومهرجان تيار المستقبل في طرابلس يوم 27 الجاري الذي يجري تحضيره ليشكل ذروة التحدي لرئيس الحكومة في عقر داره.
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قال ان المسار الذي يضمن تمويل المحكمة الدولية وصل الى نهايته وقد دقت ساعة الحقيقة.
ونقل زوار ميقاتي عنه قوله ان الوقت الذي سعينا الى كسبه انتهى وبات علينا اتخاذ القرار، وذلك في اشارة الى المراسلات التي توالت على لبنان منذ نهاية سبتمبر مذكرة لبنان بضرورة تسديد حصته من تمويل المحكمة. واضاف: لقد تعمدنا في حينه رفع تلك المراسلات الى وزارتي المال والعدل لاتخاذ الاجراء المناسب الذي يترجم التزام لبنان بتعهداته الدولية.
وكان واضحا من تلك المراسلات ما نبه اليه الامين العام للامم المتحدة من ان المهلة الاخيرة لتسديد المتوجبات هو 25 ديسمبر المقبل، اي خلال اقل من شهر من اليوم، والا سيضطر الامين العام الى رفع الموضوع الى مجلس الامن لاتخاذ القرار المناسب. وحول ما اذا كان موقفه هذا سيؤدي الى انفجار الحكومة او دفعه الى الاستقالة، قال رئيس الحكومة: لنترك الاتصالات تأخذ مجراها، وبعدها لكل حادث حديث. واعتبر د.محمد شطح المستشار الديبلوماسي للرئيس سعد الحريري انه اذا حصل التمويل فالحكومة تثبت التعاون مع المحكمة وعليها ان تكمل ذلك عبر خطوات اخرى، وقال: نحن لا نعتبر هذه الحكومة تخذم لبنان واللبنانيين وهذه المقاربة ستستمر، واردف: رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لن يقبل ان يأخذه اعضاء الحكومة الى مكان آخر.
ولجهة امكانية سقوط الحكومة والبديل عن ذلك، شدد شطح على ان سقوط الحكومة لا يأخذ لبنان الى الفراغ انما هناك على الاقل بديلان هما ان تأتي حكومة اخرى ذات اغلبية نيابية وهذه هي العملية الديموقراطية، والبديل الآخر هو قيام حكومة تقنية حيادية تركز على طريقة العمل، واعتبر ان هذه الحكومة تراوح بين الضعف والارتباك، وقد رأينا مسألة تصحيح الاجور والوزراء فيها يشتكون اكثر مما يعملون ولا ارى مؤشرا لتغيرات كبيرة، وسأل: من قال ان حكومة محايدة ستطيح الاستقرار بالبلد فهل الاستقرار مرتبط بحكومة يترأسها حزب الله والتيار الوطني الحر؟ وفي حال كان الوضع كذلك فإن وضعنا لا يختلف عن وضع الانظمة الاستبدادية التي لا تقوم الا بطرف واحد. ولفت شطح الى ان حزب الله موجود في المحكمة عبر ممثل المتهمين الاربعة المحامي سليم جريصاتي.
عضو كتلة التنمية والتحرير النائب علي خريس رأى انه لايزال هناك وقت كثير لمناقشة موضوع تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، معتبرا ان هناك ملفات اهم هي الآن قيد البحث.
في هذا الوقت، تعتقد مصادر نيابية في 8 آذار ان النار السورية بدأت تقترب من لبنان والزلزال الذي يضرب سورية سيصيبه، وان دعوة الرئيس نبيه بري الى استعادة الحوار ورسالته الى العاهل السعودي الملك عبدالله لمصالحة العرب فيما بينهم خير وقاية مما سيأتي من كوارث في الايام والاسابيع المقبلة.
واذا كان رئيس مجلس النواب بحسب المصادر لم يضع بنودا محددة للحوار الجديد، فإنه يريد ان يستشعر الجميع بالمخاطر، وبالتالي لابد لجميع الاطراف موالاة ومعارضة ان يتحاوروا ويتناقشوا في السبل التي يحصن البلد وترسم معالم مستقبله، الا ان الخشية من ان المعارضة وفي اطار سعيها لاسترجاع السلطة وعلى خلفية ثأرية في احد وجوهها، قد تتورط في رهانات وترفع منسوب التشنج في البلد تحت شعارات براقة عن الحريات وحقوق الانسان والمزايدة في موضوع العروبة والقومية وسواها من اساليب «دس السم في الدسم». المصادر تقول ان ما سمعناه ولانزال من الرئيس سعد الحريري عبر التويتر ومن العديد من مكونات 14 آذار لا يبشر بالخير او ينسجم مع الدعوة للحوار وتحصين الساحة الداخلية، لا بل ان هذا الفريق ماض في شن حرب لا هوادة فيها على الحكومة والموالاة بكل اطرافها (ما عدا النائب وليد جنبلاط الغارق في الانخراط اكثر فأكثر بالحرب ايضا ضد النظام السوري تحت عنوان نصرة الشعب السوري).
ولفتت المصادر الى ان التصعيد الذي تشهده الساحة المحلية من قبل قوى 14 آذار متعدد الاهداف ولعل ابرزها:
٭ تأكيد مقولة انعدام الاستقرار في ظل خروج هذه القوى من السلطة.
٭ تغييب الحوار الداخلي، وبالتالي تغليب لغة السجال والصراع خدمة لاستراتيجية هذا الفريق الرامية الى اظهار ضعف وعدم قدرة الحكومة الحالية على الحكم.
٭ ملاقاة الاحداث السورية بحالة عدم توازن في لبنان، وبالتالي اقحام لبنان في الازمة القائمة في سورية وفتح الباب اكثر امام مخطط التدخل في الشأن السوري الداخلي.
٭ الرهان على التطورات الخارجية وبالتالي تغيير موازين القوى الداخلية، ما يعني اعتماد سياسة الانتظار بدلا من الدخول في الحوار، لاسيما حول المستقبل.
ووسط هذه «القراءة الاكثرية» لواقع الحال الراهن، يبدو المشهد السياسي اللبناني مغلقا امام التواصل بين اطراف الصراع، وبالتالي فإن الحوار سيبقى يتأرجح بينها الى حين جلاء الصورة الاقليمية، لاسيما في سورية، حيث الازمة هناك بدأت تنعكس لبنانيا مع اقتراب الحريق من الحدود، وثمة مخاوف من ان يؤدي الانقسام الداخلي حولها من اطاره السياسي الى مداره الامني.

