الاسد: لم نحاسب رامي مخلوف لاننا بحاجة الى رجل مخيف

انطباع عدم مسؤولية الرئيس بشار الاسد عمّا يجري في سوريا منذ ثمانية أشهر الذي قد يُكوِّنه البعض جراء ما ورد في "الموقف" قبل يومين عن "الراحة والطمأنينة" اللتين يشعر بهما، هذا الانطباع ليس في محله في رأي اصدقاء له صادقين معه ومع أنفسهم وفي رأي متابعين لما تعيشه سوريا ومعسكرها الاقليمي من مرحلة بالغة الخطورة. فالأسد مسؤول مرتين على الاقل عن الذي يتعرض له نظامه وبلاده. المرة الأولى كانت عندما رفض بعد انطلاق الاحتجاجات الشعبية حسمها سريعاً بواسطة القوتين العسكرية والامنية، وذلك كان متيسراً في حينه لأن المشاركين فيها كانوا لا يزالون قليلي العدد ولأن اطارها الجغرافي كان محصوراً. وهو رفضٌ كرَّره بعد نحو شهرين عندما كان الحسم في رأي امنييه لا يزال ممكناً. أما المرة الثانية فكانت عندما رفض في بداية الاحتجاجات، وكانت لا تزال سلمية وهدفها الاصلاح، الانخراط في حوار مع المعارضين ومباشرة اصلاح جدي يؤسس لنظام جديد فيه مساواة مواطنية كاملة (طبعاً ليس على الطريقة اللبنانية اي اقتسام الوطن بين الطوائف والمذاهب). وقد مارس رفضه الثاني هذا مع المحتجين الذين رفعوا مطلب الحوار والاصلاح وكذلك مع اصدقائه و"أشقائه" في المنطقة والعالم.

هنا قد يقول البعض ان رفض الاسد للحسم يعني انه يرفض العنف والدم. لكن المتابعين والاصدقاء المشار اليهم اعلاه يرفضون هذا القول لأنه مارس العنف بعد ذلك وعلى نطاق واسع جداً، واعطى بذلك مبرراً لعناصر عسكرية كثيرة للانشقاق ولجهات عدة للجوء الى السلاح فردياً أو جماعياً للثأر جراء تزايد عدد الضحايا في صفوف المواطنين. وربما يكون الرفضان المذكوران اعلاه دليلاً على ارتباك معيَّن او على عدم امتلاك تقويم وثيق للاوضاع داخل سوريا شعباً ونظاماً عند القيادة السياسية العليا فيها.

وفي هذا المجال يشير المتابعون أنفسهم الى معلومات ومعطيات تؤكد إما الارتباك وإما غياب التقويم للاوضاع، وطبعاً التصميم على انهاء "التمرّد الى الأبد"، وذلك وفق خطة تعتمد "التقسيط" لمدة سنة أو سنتين على أبعد تقدير.

بعض هذه المعلومات يفيد ان شخصية لبنانية مهمة التقت الاسد مرة أو مرتين كانت أولاهما بعد اسابيع قليلة من "اندلاع الثورة". فتحدث معه في ما حصل في درعا وفي اسبابه المباشرة (مثل رفض اهلها اقامة انتينات على اراضيهم، ومثل ما ارتكبه أحد اقربائه عاطف نجيب احد المسؤولين الامنيين في تلك المنطقة في حق الاهالي من فظاعات) ولفت الى انه كان يجب ان يحاكم. فكان رد الرئيس: "بدك مواطن يشتكي عليه". (اذا كان المواطن الشاكي غير موجود فأين هي مسؤولية الدولة والقضاء وخصوصاً عندما عرف قادتها واركانها بما حصل. اما كان يجب ان يحركوا هم المؤسسات لمحاكمته؟). بعد ذلك تطرق الحديث الى قريب للعائلة الرئاسية هو رامي مخلوف. فعلق الأسد بوصفه "مجنونا" ثم بالقول: "يجب ان يكون هناك واحد يخيف". ثم تابع وكأنه يريد من ضيفه عدم الاسترسال في الحديث عن العائلة: "جاءني فريق من الفنانين التشكيليين، من جملة ما قالوه لي: يقال لنا انك انت رهين اقامة جبرية فرضها عليك أخوك ماهر… ثم اوضح قصة "الصغير" عُمر حمزة الخطيب، فنفى ان يكون تعرض للتعذيب وان يكون مات بسببه، ونفى ايضاً ان تكون جثته تعرضت للتشويه ولفت الى انها تحلَّلت. وقال انه ابلغ ذلك الى عائلته. لكن ضيفه سأله هنا: "لكن كيف مات اساساً؟ هل اطلقت النار عليه؟" فكان الجواب "نعم". طبعاً تطرق الحديث بين الاسد وضيفه بعد ذلك الى الوضع الاقليمي والى الوضع السوري ودور ايران وغيرها.

وفي المجال نفسه يقول المتابعون اياهم ان الموقف العدائي السلبي لفريق لبناني واسع (السنة وآخرون) من النظام السوري وتعاطفه مع الثوار انما تسببت به ممارسات سوريا ضده في أثناء الوصاية وبعد انتهائها رسمياً لا فعلياً سواء مباشرة أو بواسطة الحلفاء. وكشفوا ان اصدقاء صادقين للرئيس الأسد من اللبنانيين سألوه اكثر من مرة: "لماذا تتسبَّب باحتقان السنة في لبنان؟ لماذا تترك حلفاءك في السلطة وخارجها يستهدفونهم؟".

هذه المسؤولية عمّا يجري في سوريا تتحملها اليوم، اي بعد ثمانية اشهر على اندلاع الثورة، غالبية الدول العربية والمجتمع الدولي. ذلك انها تعوِّض الآن عدم معرفتها بانطلاقتها جراء عفويتها بمحاولة "حمايتها"، وذلك مشروع، وفي الوقت نفسه يحمي مصالحها.

ما المقصود بالحرب المفتوحة التي يفكر فيها الاسد؟ وهل ينجح في معركته؟ وهل يستطيع نظام واحد توحيد المنطقة أو تخريبها؟

السابق
هل انطفأت حماسة الشباب؟
التالي
الفلسطينيون يدخنون بـ 365 مليون دولار سنوياً