زار وزير الخارجيّة الفرنسيّ، آلان جوبّيه، تركيا بهدف "التّطرّق إلى الملفّ السّوريّ" مع المسؤولين الأتراك. واعتبر رئيس الوزراء التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، أنّ الغرب لا يولي مسألةَ "قتل المدنيّين" في سورية اهتمامًا بالغاً، لأنّها، على خلاف ليبيا، ليست غنيّة بالنّفط، وهذا صحيح على الأرجح. وفي غضون ذلك، واصلت الصّحف التّركيّة سعيها إلى توقّع الخطوات التّركيّة المقبلة في سورية، إذ يتمحور الكلام في الآونة الأخيرة حول احتمال التّدخّل العسكريّ التّركيّ في سورية وإقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السّوريّة على امتداد الحدود مع تركيا.
قد يُخيّل للمرء في عاصمة الإمبراطوريّة العثمانيّة سابقًا أنّ أيّام الأسد في سُدة الحكم باتت معدودة، لا سيّما حين يستمع إلى خطابات فئران الخليج الّتي تحوّلت أُسودًا مؤخّرًا… وأنا أشكّ في ذلك، فمجرّد إعلان صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركيّة عن تنحّي الأسد المرتقب، كفيلٌ بأن أعلم يقيناً أنّ الأسد باقٍ. وتجدر الإشارة إلى أنّ "المجلس الوطنيّ السّوريّ" المعارض واللاجئ في اسطنبول، هو أيضًا فأر يحبّ الجدل، غير أنّه لم يحظَ سوى باعتراف النّظام التّافه في ليبيا الجديدة.
ينظر النّظام السّوريّ من جهته بجدّيّة تامّة إلى الإنذار الأخير الّذي وجّهه وزراء الخارجيّة العرب إلى سورية، والّذي نفد أمس. والسّؤال، هل ستسمح سورية بأن يجول وفد المراقبين الّذي شكّلته الجامعة العربيّة، والّذي يضمّ خمسمئة مراقب، خلسةً في كلٍّ من حمص وحماه ودرعا؟ ألا تضربُ هذه الزّيارة السّيادةَ السّوريّةَ عرض الحائط؟ هذا وقد تمّ في موازاة ذلك استدعاء السّفير المغربيّ في دمشق احتجاجًا على الاعتداء الّذي تعرّضت له السّفارة المغربيّة، فيما غادر الدّبلوماسيّون السّعوديّون والقطريّون دمشق منذ أشهر خلت. أمّا السّفير الألمانيّ فيتباهى راهنًا بمسودّة قرار جديدة تدين سورية في مجلس الأمن. ولعلّه اكتشف كيف يرشو السّفيرين الرّوسيّ والصّينيّ لنيل تأييدهما. وتلوح في الأفق التّركيّ ملامح غضبٍ عارمٍ جرّاء ردّة فعل دمشق حيال "المبادرات" التّركيّة. فحين لوّح الرّئيس التّركيّ، عبد الله غُل، أنّ ردّة فعل تركيا ستكون "مختلفة تمامًا عن السّابق" إزاء أيّ اعتداء آخر يستهدف سفارتها في دمشق، أعتقد أنّه قصد كلّ كلمة قالها. فقد أدرك الجانب "الإسرائيليّ" العام الماضي، عقب الهجوم الّذي شنّته البحريّة "الإسرائيليّة" على سفينة "مافي مرمرة"، مُسفرةً بذلك عن مقتل تسعة أتراك على متنها، أنّ العبث مع تركيا يولّد تداعيات لا تُحمد عقباها، فكيف إذا كانت هذه تركيا جديدة تسير إقليميًّا بخطى واثقة، ظنًّا منها أنّها تحمل لواء اليقظة العربيّة، لا سيّما أنّ العلم التّركيّ يرفرف مجدّدًا في أنحاء متعدّدة من العالم العربيّ.
وفي السّياق نفسه، وجّه أردوغان خطابه الأخير إلى سورية ورئيسها قائلاً: "أنتَ تعتقل آلاف السّجناء السّياسيّين. ينبغي عليك القبض على جميع الّذين اعتدوا على السّفارة التّركيّة ومحاسبتهم". إذًا، يطلب الأتراك اليوم من سورية أكثر بكثيرٍ من الاعتذار الشّخصيّ الّذي قدّمه وزير الخارجيّة السّوريّ وليد المعلّم، إذ ينتظرون أن تقدّم سورية اعتذارًا رسميًّا كاملاً، شأنها شأن "إسرائيل" لاعتدائها الدّمويّ على سفينة "مافي مرمرة".
وفي هذه الأثناء، تنقل مصادر التّركيّة في اسطنبول أنباء عن تهديداتٍ تركيّة بقطع صلاتها النّفطيّة مع سورية، وتقليص إمدادها بالكهرباء. ولكنْ، لن ينجم عن ذلك سوى معاناة الفقراء، إذ لا شكّ في أنّ الحكومة السّوريّة تملك مولّدات كهرباء خاصّة، أليس كذلك؟ والمثير للاستغراب أنّ الحكومة التّركيّة أبقت على سفارتها وقنصليّاتها في سورية لتعمل بشكل كامل، بينما قامت بإجلاء ستّين دبلوماسيًّا من دبلوماسيّيها، مع أفراد أسرهم.
هذا وقد اتّهمَ بعضُ أحزاب المعارضة التّركيّة أردوغان والمسؤولين في أنقرة بأنّهم يكرهون أسرة الأسد من منطلق طائفيّ، أيّ لأنّها أسرة "علويّة شيعيّة"، ما دفع وزير الخارجيّة التّركيّ، أحمد داوود أوغلو، إلى محاولة نفي ذلك، عبر الرّدّ قائلاً: "ألم يكن الأسدُ علويًّا أيضًا حينما كنّا أصدقاء؟ فنحن لا ننظر إلى سورية نظرةً طائفيّة". ربّما، ولكنّ هذه الحجّة لا تُجدي نفعًا، ذلك أنّ تركيا دولةٌ ذات غالبيّة سنّيّة.
وفي عودةٍ إلى التّحرّك الدّبلوماسيّ، بدا جليًّا أنّ اللّقاء الّذي جمع ما بين وزير الخارجيّة الفرنسيّ ونظيره التّركيّ في إسطنبول يوم أوّل من أمس هدفَ إلى البحث في طرقِ توحيد المعارضة السّوريّة، فضلاً عن تفادي حدوث انقسامات كارثيّة في صفوفها، كالانقسام الحادّ الّذي شهدته المعارضة اللّيبية قبل سقوط طرابلس القذّافي، والّذي تمثّل في اغتيال قائد جيش التّحرير الوطنيّ اللّيبيّ، عبد الفتّاح يونس.
أمّا في ما يُعنى بجامعة الدّول العربيّة، فمنذ إعلان وكالة الأنباء السّوريّة "سانا" عن عزم الجامعة إرسال وفدٍ يضمّ 500 مراقبٍ إلى سورية، يتساءل متابعو الشّأن السّوريّ عمّا إذا نالت هذه الخطوة موافقة وزير الخارجيّة وليد المعلّم، وعن مدى الحرّيّة الّتي ستتاح لوفد الجامعة العربيّة من أجل "رصد أوضاع البلاد". أمّا السّؤال الأبرز فهو، هل سيفكّر "المراقبون" بزيارة المعارضين السّوريّين في الدّاخل، والأهمّ من ذلك، هل سيحاولون معرفة هويّة أفراد المجموعات المسلّحة؟

