أضافت الأزمة السورية باباً جديداً إلى الجدل الدائر بين الموالاة والمعارضة في اشتباكهما المفتوح. تُعلّق قوى 14 آذار الآمال الآن على انهيار النظام السوري لإسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعدما عوّلت على أن انفجار الحكومة من الداخل يؤدي إلى توازن سياسي آخر
دخل ملف الأزمة السورية في صلب الاشتباك السياسي بين قوى 8 و14 آذار، كجزء مكمّل لموقع كل منهما حيال ما يدور في سوريا بين نظام الرئيس بشّار الأسد ومعارضيه. وأكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً بين عامي 2005 و2008، تشعر قوى 14 آذار، اليوم، بأنها أقدر على ممارسة ضغوط على نظام الأسد من الداخل، ومن خلال تضامنها غير المشروط مع المناوئين له. تشعر أيضاً بأن الحظ الذي لم يُتح لها إبّان وجودها في السلطة، وتعويلها حينذاك على المجتمع الدولي للضغط على النظام السوري وتقييد مقدرته على التدخل في لبنان، قد ابتسم أخيراً. باتت تتوقع توسّع الضغوط الدولية تلك، وتترقب سقوط النظام حقاً. لم تصدق التوقعات حينذاك، ولم تجد المعارضة السورية قادرة على كسر جدار الخوف ومواجهة النظام.
كانت الأكثرية السابقة تدافع في ذلك الحين عن وجهة نظرها العلنية، بأنها غير معنية بالداخل السوري. ويهمها من النظام، ومن مؤازرة مجلس الأمن والمجتمع الدولي لها، كفّ نفوذه السياسي والأمني. ولم تتح سوى في حدود دنيا متواضعة وخجولة للمعارضين التقليديين للنظام التحرّك في لبنان من دون الإيحاء بتبني خيارات هؤلاء ومساندة معارضتهم للأسد. قبل خمس سنوات، لم ترَ قوى 14 آذار سقوط نظام الرئيس السوري إلا من فوق، بتدخل دولي على الطريقة العراقية حينذاك. اليوم تغمرها نشوة الاعتقاد باحتمال انهياره من تحت، عبر الشارع السوري.
على نحو كهذا، رفع الرئيس سعد الحريري وحلفاؤه الشعارات الأكثر تطرّفاً بقول ما لم يرغبوا ـــــ باستثناء النائب وليد جنبلاط ـــــ في الإفصاح عنه عام 2005، وهو سقوط نظام الأسد. وهم يُبرزون اليوم أكثر من مبرّر لدعم وجهة النظر هذه، والانضمام إلى الحملة الأميركية ـــــ الأوروبية لحمل الرئيس السوري على التنحّي. تعزز ذلك مطالبة هذا الفريق بإطلاق حرية المعارضة السورية في لبنان، وتمكينها من موطئ قدم فيه، وإقامة مخيمات للاجئين السوريين في الشمال، والمغالاة في الكلام عن إخفاء معارضين سوريين، وتحميل الجيش والأجهزة الأمنية مسؤولية تقييد قدرة المعارضين على التحرّك. ولا يتردّد بعض أفرقاء 14 آذار، في الشمال خصوصاً، في تبرير تهريب السلاح إلى الأراضي السورية.
وتنطلق قوى 14 آذار في تقويمها هذا الواقع من حقيقة، باتت في نظرها ثابتة، هي أن نظام الأسد أصبح الآن أسير حدّ أقصى هو سقوطه، وحدّ أدنى هو تحوّله رئيساً ضعيفاً لنظام منهك على وشك الانهيار في أي وقت. وهو سبب كاف وضروري كي يحمل المعارضة اللبنانية على توجيه الاشتباك مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ورئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله في منحى يقرن انهيار النظام السوري بتقويض توازن القوى الداخلي في لبنان. بعدما اختلف فريقا 8 و14 آذار على وجود سوريا في لبنان ودورها، يختلفان الآن على وجود الرئيس السوري على رأس السلطة في بلاده.
وهكذا وضعت قوى 14 آذار رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة والغالبية والجيش والأجهزة الأمنية في سلّة واحدة، تحت شعار أنهم يدافعون عن نظام الأسد، ويتمسّكون به ويُبقون الصلة به في وقت يضيّق فيه الأميركيون والأوروبيون عليه، وتُدفع الجامعة العربية إلى موقف مماثل.
لكنّ وجهة النظر المقابلة تبدو مختلفة تماماً.
1 ــ يثابر سليمان على الاتصال بالأسد، ويتداولان الوضع في سوريا في معرض تأكيد رئيس الجمهورية تضامنه مع استقرارها. في المقابل لا يُحرج الأسد نظيره بزيارة دمشق، ويقدّر مواقفه من الأزمة السورية. الحال نفسها مع ميقاتي، بإبقائه قنوات اتصال مباشرة وبالواسطة مع الأسد، وتكاد تكون يومياً تقريباً.
2 ــ تعقد اجتماعات دورية بين الجيشين اللبناني والسوري، مرة كل أسبوعين في بعض الأحيان، لتنسيق التعاون على المعابر غير الشرعية ومنع تهريب الأسلحة وتسلل مسلحين تبعاً لمعلومات يتبادلها الطرفان. وكانت القيادة العسكرية السورية قد تمنت على نظيرتها اللبنانية تشديد إجراءاتها عند المعابر غير الشرعية وفي الجرود الشرقية، وتفهّمت في الوقت نفسه ضآلة الإمكانات المتوافرة للجيش للسيطرة على الحدود في الشمال والبقاع، ووضع حواجز ثابتة يحاول تعويضها بدوريات.
3 ــ منذ اندلاع الأزمة السورية حدّد لبنان الرسمي موقفه منها، وهو أنه ينأى بنفسه عن التدخّل في الأحداث الجارية هناك، وينظر إليها على أنها شأن داخلي بين النظام ومعارضيه، لكنه لا ينأى بنفسه عن أي محاولة تتوخى استهداف سوريا من الأراضي اللبنانية، عملاً بالاتفاقات النافذة بين البلدين. مفاد ذلك بالنسبة إلى السلطة السياسية، كما إلى الجيش والأجهزة الأمنية، منع أي تحرّك يجعل لبنان قاعدة أعمال عسكرية أو أمنية ضد سوريا، بما في ذلك المخيمات التي تطالب بها قوى 14 آذار، والتي ينظر إليها الجيش وكذلك الأجهزة الأمنية بقلق، لكونها تُطرح تحت شعار تجميع اللاجئين المعارضين للنظام في بقعة تتيح لهم تحريك نشاط أمني ضد النظام في إطار مقاومته، والعمل على إسقاطه. يميّز ذلك مخيماً في لبنان عن مخيم في تركيا، وكذلك تحرّك المعارضة السورية في إسطنبول أو القاهرة عن تحرّكها في بيروت، نظراً إلى حساسية الوضع اللبناني ودقة توازناته.
4 ــ تبعاً لما تبلغه المسؤولون اللبنانيون، لا تشعر القيادة السورية بأي إرباك من الموقف الرسمي اللبناني، الذي تدرجه في الوقت الحاضر تحت عنوانين رئيسيين، تنسيق أمني وآخر في السياسة الخارجية، يجعل دمشق متفهّمة موقف لبنان ومطمئنة إليه، من غير إحراجه.
5 ــ لا تخفي سوريا انزعاجها من القوى اللبنانية المناوئة لها، ومعرفتها الدور الذي تضطلع به لدعم معارضي النظام، إلا أنها تفضّل ترك المعالجة للحكومة اللبنانية، وترغب في الوقت نفسه في استمرار حكومة ميقاتي والغالبية النيابية الحالية التي تدعمها. وكانت قد أبلغت المسؤولين اللبنانيين في وقت سابق أنه لا يضيرها اتخاذ الحكومة اللبنانية إجراءً متوازناً يمنع السوريين الموالين والمعارضين من التظاهر تفادياً للاحتكاك وإحراج السلطات اللبنانية، على غرار إجراء كانت قد اتخذته الكويت بمنعها الرعايا السوريين موالين ومعارضين من التظاهر في الإمارة، إلا أنها سمحت للكويتيين بالتعبير عن رأيهم في ما يجري في سوريا.

