مخرجون شباب في مهرجان بيروت للسينما

ربما كانت أفلامهم انعكاساً غير متحفّظ لأحلامهم وهواجسهم، أو دليلاً على نزواتهم وارتدادهم عن الواقع. بعضهم قد يظن انهم يخفون خلفها هفواتهم، أو انهم يتحدّون من خلالها انقضاء الزمن وغباره الذي ينحدر تدريجياً على أيامهم. المخرجون اللبنانيون الشباب الذين شاركوا أخيراً في مهرجان بيروت الدولي للسينما، كيف يشرحون أعمالهم، وما هي رسائلها المحجوبة؟
في "بيروت على الموس"، تسلّط المخرجة زينة صفير الضوء على والدها، الذي تؤكد انها ترعرعت على قصصه "وحكاياته التي هي تاريخ محكيّ عن لسان ما عايشه… مع صانعيه!". هو بكل تأكيد ليس فيلماً لـ "الصالات"، بل تحية لإنسان تربطها به علاقة تتخطى الأبوة، وهي أقرب إلى صداقة تعزّزت مع الوقت. تصف زينة والدها بالـ "متحدث اللبق… وأخباره صالحة لتكون مادة سينمائية غنية"، إضافة إلى "إعجابي به! فذلك كان أكثر من كافٍ كي أنجز الفيلم". عرضت الشابة الفيلم للمرة الأولى في مدرستها في عينطورة، لمناسبة عيد ميلاد والدها في شباط المنصرم. عملت بمفردها على الفيلم الذي تجري حوادثه في منزلها طوال 5 سنوات، ولم يكن والدها على علم بما تقوم به، إذ صوّرته مستعينة بكاميرا "صغيرة جداً"، رغبة منها في ان تحافظ على الحميمية. وتجاوب الوالد الأقرب إلى صديق مع رحلة ابنته الإفتراضية داخل جدران المنزل، ولاسيما انه شعر بأنه "يروي حكاياته اليومية لإبنته الصغيرة وليس لكاميرا أو مخرج. ولهذا السبب صوّرت الفيلم بنفسي كي أريحه". وقبل كتابة أعمالها، تروي صفير انها تغوص وتتعمّق في الموضوع المطروح "كي أكون متمكّنة مما أقوم به. وتصبح متعة عندما نعيش فيلمنا. إذا افتقدنا المتعة عجزنا عن الإبداع".

"تاكسي بيروت" لهادي زكاك
وفي ما يتعلّق بالمخرج الشاب هادي زكّاك، الذي قدّم "تاكسي بيروت"، فإنها العودة المحتومة إلى الوثائقي الذي يجمع بالنسبة إليه مختلف العناصر، منها "العلاقة بالذاكرة، التاريخ، السياسة، القراءة المتعمّقة للمجتمع، والسينما…في الوثائقي أستطيع ان أجمعها كلها. كما اننا نحتاج إلى الأفلام الوثائقية لأننا في الواقع ننسى كثيراً". ويؤكد ان نجاح فيلمه الأخير "درس في التاريخ" أعطاه الدافع كي يعمل على "تاكسي بيروت"، فللمدينة "حضورها المحوري في أفلامي، شئت أم أبيت". يعود إليها باستمرار وتجمعه بها "علاقة حب وكره! أردت ان أشاهدها من وجهة نظر سائق التاكسي، فلجأت الى ثلاثة سائقين من أجيال مختلفة"، أحدهم يقود سيارته منذ عام 1957، والثاني كان مقاتلاً وتحوّل سائقاً، والثالث في الثلاثين من عمره وعاد من دبي ليعمل سائقاً. أراد من خلال هؤلاء ان يتابع من كثب "نمط المدينة وتغيّرها باستمرار. الشوفوريّة يجوبون المدينة بلا توقف، وهذه المدينة تفقد مع الوقت، عناصر من ذاكرتها وتصبح الحياة فيها أكثر كلفة". رحلات زكّاك في التاكسي، كانت "ممتعة جداً، وأنجزت الفيلم ليظهر وكأنه يسلّط الضوء على 24 ساعة متواصلة من حياة بيروت". وجد ان السيارة أشبه بـ "صالون متنقل، والزجاج أقرب إلى شاشة السينما التي تظهر من خلالها المدينة. وعبر المرآة، يشاهد السائق نفسه والمدينة في آن واحد".
وجد زكاك ان الجمهور الذي شاهد الفيلم في المهرجان تفاعل كثيراً مع العمل الذي يستمر 52 دقيقة، ولا سيما انه "مرتبط كثيراً بلغة الشارع… جمهوره الأول لبناني، وفيه حضور لخليط اللغات التي نتوسلها في حديثنا اليومي. يتفاعل الجمهور مع هذا التفصيل ولاسيما ان السائق يتوسل الشتائم خلال رحلاته اليومية، ما يقرّب المسافة بينه وبين المُشاهد". ويندرج "تاكسي بيروت" ضمن سلسلة كبيرة أشرف زكاك عليها بعنوان "تاكسي المدينة"، وتشمل مختلف البورتريهات للمدن من خلال عيني سائق التاكسي. ومن خلال تعمّقه بحياة "الشارع"، يرى ان معرفته بالناس تصبح أفضل، مما يسهّل تركيب الحوار، ويجعله أكثر قدرة على خلق شخصيات نابعة من الواقع. "في الأعمال الدرامية، غالباً ما تصبح الشخصيات شعراء، وبيعملوا خطابات أمام الكاميرا!".

"الخط الأزرق" لألان صوما
في الفيلم القصير "الخط الأزرق"، نعيش مع المخرج ألان صوما، لحظات إنسانية واقعية. هي قصة بقرة وراعٍ "عالقين في مستنقع عند الخط الأزرق، بعدما حاولت البقرة اجتياز الحدود، في حادث كاد ان يشعل أزمة حدودية". يروي صوما ان زوجته لين معلوف كتبت السيناريو بعدما جالت جنوباً رغبة منها في إعداد تقرير عن الخط الأزرق. وأخذتها الجولة إلى مختلف الكتائب التابعة لـ"اليونيفيل"، وعادت من جولتها ومعها "قصص مختلفة لجنود من دول متنوعة، ويوميّاتهم الغريبة في المنطقة. إحداها عن بقرة تخطت الحدود مما سبب مشكلات بين لبنان واسرائيل". وبمعالجته الناحية الإنسانية للقصة، يقول ان الأعمال تصبح حقيقية أكثر "تصوري اننا، عبر قصة ربما وصفها البعض بالتافهة، نستطيع ان نعالج تفاعل الشخصيات وأبعادها الإنسانية".
صوّر صوما الفيلم في جنوب فرنسا "لأن التصوير في لبنان لسوء الحظ كان مكلفاً كثيراً"، فهو استمر 7 أيام لكن التحضير تطلّب 3 أشهر "وأنجزنا مختلف الأمور عبر الإنترنت". واختار لمسات واضحة من السخرية لمعالجة القصة العابقة بالدراماتيكية، ولاسيما انه كان لا بد من إضافة الخفة الى "فكرة تستريح على الخلاف أو النزاع الذي يمكن أن يولد نتيجة مواقف صغيرة… وهنا هو تخطي البقرة الحدود".

Jacko لجان حاتم
وفي فيلم "Jacko" للمخرج جان حاتم (22 سنة)، هو الموت يأخذنا إلى أروقته المُبهمة بزينتها وإطلالتها. ويعالج هذه الفكرة الغامضة من منظار مراهق "يلتقي" الموت للمرة الأولى بعد وفاة عصفوره "جاكو". يروي حاتم انه لطالما تفاعل مع اللغة البصرية، واختار السينما "لتكون صلة الوصل مع العالم. هي لغة عالمية ومن خلالها نوصل مختلف الرسائل للجميع، ويمكن ان تحوي الرسالة أحاسيس وأفكاراً ولمسات فلسفية". في الفيلم يتعلّم "روني" درسه الأول في الحياة، ويفهم للمرة الأولى ما هو الموت. ولا يذكر الشاب حادثة معيّنة دفعته لاختيار الموت مادة سينمائية يعالجها في فيلمه (13 دقيقة) "لكنني أعتقد ان كل ولد يمرّ بهذه المرحلة وإن وجد نفسه في موقف مختلف عما قد يواجهه غيره". استمر التصوير 4 أيام في قريته حمّانا، علماً ان حاتم تخرّج هذه السنة في الجامعة الأنطونية، متخصصاً في المرئي والمسموع.

Eaux Troubles لكارين خلف
أما كارين خلف (22 سنة)، فاختارت "Eaux Troubles" مشروع تخرجها في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA). وكان طبيعياً ان تدخل عالم السينما، ولاسيما ان أفراد العائلة يعيشون الأجواء السينمائية منذ الطفولة. "والدتي تعشق السينما، واعتدنا بطلب منها، ان نشاهد الأفلام يومياً، وان نحلّل ما شاهدناه". وفي العائلة، الجميع شغوفون بلغة الخيال التي تبثها السينما "ولكنني أحببت ان آخذ شغفي بضع خطوات إلى الأمام". مدة الفيلم 11 دقيقة، وكانت رغبتها في ان تتحدث عن اللقاءات التي تغيّر مجرى حياة بكاملها. وهي قصة شاب "يعيش مع والدته في منتجع سياحي، والعلاقة بينهما ناشفة. وفي المنتجع يلتقي امرأة تكبره سناً لكنها أصغر من والدته. يقع في حبها وتغيّر نمط حياته". إيقاع الفيلم "بطيء، وهو يشبه تماماً شخصية الشاب. أردت ان أدخل رأسه وان أشاهد كل ما يمكن ان يشاهده، وان أشعر بأحاسيسه". وسُرعان ما نلاحظ ان المنتجع خالٍ من الناس "باستثناء هذه السيدة، لأنه في الواقع لا يرى غيرها. الفيلم صامت". ما من حديث تنسجه الشخصيات بعضها مع بعض "الفيلم يتبع شخصية البطل المكبوتة. منّو مرتاح نفسياً". سبب اختيارها الماء عنصراً أساسياً، يعود إلى كونه يرمز بداية إلى الأمومة "وهو يعاني سيطرة والدته عليه، كما ترمز إلى الإحاسيس التي ستولد مع الوقت بينه وبين المرأة، وإلى التحرّر النفسي على يدها". ولأنها عندما تدخل عالم الشخصيات الخياليّة، تريد ان تعكس أجوائها، كما تعشق سرد القصص، صوّرت الفيلم تحت الماء "وبالمايوه"! صحيح ان الفيلم لا يرتاح على السيناريو، بيد ان الموسيقى التصويريّة التي ألّفها رامي المر "مهمّة جداً، هي داخليّة وتعبّر عن أحاسيس البطل".

"ما ينعاد عليك" لايلي فهد
وفي "ما ينعاد عليك" للمخرج ايلي فهد (22 سنة)، هو الحزن يتجسّد بموقف إنساني أراده صلة الوصل ما بينه وبين الجمهور. يؤكد بداية "هيدا تمرين… مش مشروع التخرّج. أنا هلّق طالع على التخرّج سنة ثالثة في الجامعة اللبنانية (سينما وتلفزيون). وفي حين يملك النزعة العلمية إلى جانب عشقه للسينما "قررت ان أتخصّص في السينما. وعندما أخذت القرار، تطوّرت الأمور بسرعة". شغفه بدأ أيام المدرسة، ومنذ البداية وهو يتفاعل مع الأفلام التي تحرّك العواطف وتميل إلى الحزن. يرى الشاب "ان قوة أي فيلم في قدرته على ان يشعرك بحاجة قوية لتغيير شيء ما في العالم… أهم ما في الأفلام قدرتها ان تلمسك، والا أجد أنه ثمة مشكلة ما فيها". في الجامعة صار هوسه ان يروي قصص الناس. الفيلم مقتبس عن شخصيات واقعية "ومنها والدي… هو في الـ 77 من عمره، ووجدت في فارق العمر بيننا لمسة غريبة. قررت ان أتحدث عنه لأنني قادر إحكي عنه. هالزلمي اللي كتير بحبّو. دين عليّي. لازم إحكي عنو". اختار والده ليمثّل معه، في قريته في زيتون، وأضاف لمسات "خيالية" . وخلال 8 دقائق أدخل الجمهور في لعبة الحزن والأحاسيس، والمرض، والموت المحتوم لمن نحب، والوداع الأخير. يقول بواقعية "الحياة على قد ما بتعطيكي، على قد ما بتاخد منك". هو "موضوع شخصي، ولا يحمل لغة يتقبلّها كل الناس. كان في مخاطرة، بس كان الـ Feedback فظيع… وهو تقريباً فيلم صامت". ويرى الشاب ان اختياره والده ليمثل جعله مادة سينمائية ستبقى إلى الأبد، ولن تتمكّن الأيام، أو الموت المحتوم من أن يجعلها تُنسى.
Love and Moustaches
لربيع ابرهيم
وفي "Love and Moustaches" (حب وشاربان)، يأخنا ربيع ابرهيم (27 سنة)، إلى الحب، هذا الساحر الماكر الذي يشغل بال الكبار والصغار. صوّر الفيلم في اسبانيا، وارتأى ان يعالج فكرة البحث عن الحب، لأنه "الجميع يشعرون بتوق للحب وان يكون في حياتهم من يحبون. وبين قصة وأخرى يكون الشخص في بحث دائم عن الحب". وفي الفيلم نتعرّف إلى "جوردي" و"كارولاين" وقصة حبهما العابقة بالحرارة والعواطف. يروي ابرهيم، انه واجه وفريق العمل الكثير من المصاعب خلال التصوير، سببها الطقس المتقلّب، لكنه وجد ان الألوان النهائية للفيلم جعلت المشاهد تبدو وكأنها صوّرت في لبنان "كنت أحاول ان أعكس بيروت السبعينات".

Your guide to happiness
لايليو سرور
أما ايليو سرور(17 سنة)، فهو في سنته الأولى في الجامعة اليسوعية. أطل على جمهور المهرجان بفيلم "Your guide to happiness" (دليلك إلى السعادة). ويروي ان السينما مسألة طبيعية بالنسبة إليه، ولاسيما انه منذ الطفولة يرغب في تصوير فيلم "هيك، عندي هوس"، ولكنه لم يعبّر كثيراً عنه رغم انه كان يحاول دائماً مع الأصدقاء أن ينجزوا فيلماً "يعني نجرّب، بس ولا مرة طلع معنا شي… كان عندي هوس خلّص فيلم للآخر". مع الوقت "صار ميلي إلى حب السينما يتضاعف، وصرت أعرف ان أعبّر عن حبي واهتمامي". وفي حين تفوّق في المواد العلميّة في المدرسة، قرر انه لا بد له من ان يدرس مادة يحبها. والفكرة تتمحور على 10/10/2010، تاريخ احتفال جوليان بعيده الـ17، وسيجبره القدر على البحث عن السعادة، أو أقلّه فهمها، وسيقرر ان يأخذ خطوات إلى الخلف ليأخذ قرارات تغيّر حياته نحو الأفضل. وعندما طلب منه ورفاقه في المدرسة ان ينجزوا أفلاماً قصيرة ضمن المشاريع الأكاديمية، إجتمع الجميع حول السعادة، وأهمية البحث عنها. "أردت ان أدمج بين السعادة والتاريخ الذي يشمل الرقم 10، فإذا بي أحدّد حوادث الفيلم في نهار واحد". إستغرق التصوير في حرم المدرسة 3 أيام، غيّر خلالها سرور الديكور 17 مرة. عن عشقه للسينما يقول: "أتابع كل المهرجانات في لبنان حتى لو عندي مدرسة. بحب شارك". ألّف الموسيقى التصويرية بدوان خوري. وينهي سرور قائلاً: "في كتير قصص فخور فيها بالفيلم. أكتر شي انو فريق العمل كنا تلاميذ".

Pelican لكارمن بصيبص
أما كارمن بصيبص (22 سنة)، فتُشغلها الغربة فتعالجها في فيلمها "Pelican"، الذي أنجزته كمشروع تخرّج في الجامعة اللبنانية الأميركية. اختارت قصة حب تنطلق إفتراضياً عبر Skype، منطلقة من تجارب أصدقاء "كبار وصغار عايشين علاقات عبره، زأحببت أن أعالج فكرة الغربة ولكن بطريقة Light، مش دراماتيكية. هؤلاء يتعاملون مع المسألة وكأنها طبيعية". اختارت ان تعالجها بفيلم قصير، لأن الموضوع، على قولها "ما بيحمل أكتر من هيك". وفي 12 دقيقة، سنعيش الضبابية والعلاقة الإفتراضية التي تتحكّم بها أحوال الإنترنت "الإيقاع سريع. لا أستسيغ البطء أسلوباً إخراجياً".  

السابق
ترقية وسام الحسن !!
التالي
سرطان الثدي عند الرجال أشد فتكاً