أي محاولة لتعداد "إنجازات" حزب الله منذ العام 2005 إلى اليوم، لا تتسع لها الصفحات والمجلدات، ولكن أبرز ما يمكن تسجيله في هذا الإطار يكمن في ضرب الدينامية التي نشأت بفعل انتفاضة الاستقلال وإبقاء الدولة مُعلّقة بسبب إصراره على الاحتفاظ بسلاحه، وتوريط لبنان بحرب مع إسرائيل في تموز 2006، وتعطيل سَير عمل المؤسسات، وإقفال وسط المدينة واحتلال بيروت، ومحاولة اقتحام "الجبل"، وصولا إلى انتشار القمصان السود وإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بفِعل الأمر الواقع نفسه.
لقد نجح حزب الله بإخراج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار، ليس بقوة الإقناع بطبيعة الحال، إنما بقوة السلاح، هذا السلاح الذي يشكل كل رصيده، فهو ليس بالتأكيد نموذجا يُحتذى به على المستوى الفكري والحداثوي أو التجربة الحزبية والممارسة الديموقراطية، إنما مجرد فئة ميليشياوية تنتمي إلى زمن الحرب الأهلية تمكنت من الاحتفاظ بسلاحها بسبب الاحتلال السوري، وما زالت تحتفظ بهذا السلاح متكئة على صواريخها وعجز الآخرين عن نزعه أو عدم رغبتهم في إعادة البلاد إلى زمن الحرب الأهلية.
ولكن على رغم غياب التكافؤ في الصراع السياسي بين فريق أعزل وآخر مسلّح، نجحت 14 آذار في الفوز بدورتين نيابيتين مع إدراكها المسبق بعجزها عن صَرف انتصاراتها. كما نجحت، وهذا الأهم، في ربط نزاع مع الحزب لعدم تمكينه من وضع يده على البلد، في إعادة مستنسخة لحقبة الوصاية السورية، وبالتالي القضية قضية وقت والوقت لا يلعب لصالح الحزب. لا شك أن الانتكاسة الكبرى التي مُنيت بها 14 آذار تمثلت بخروج جنبلاط من مكوّناتها، لأن خروجه يعني خروجا لطائفة من موقع إلى آخر، غير أن الحركة الاستقلالية تمكنت من تجاوز هذه الكبوة بفضل الشراكة المسيحية – الإسلامية المجسّدة بالتحالف بين تيار المستقبل ومسيحيي 14 آذار، هذه الشراكة التي وضع الرئيس السوري بشار الأسد كلّ ثقله لفَكّها بالترهيب، ومن ثم بالترغيب عبر ما يسمّى "السين-السين"، وما إسقاط الحريري إلا نتيجة رفضه الانفصال عن شركائه المسيحيين، ومن لا يتذكر عبارته الشهيرة "لا يفرّقني عن حلفائي إلا الموت".
وإذا كان جنبلاط أعاد تموضعه بسبب أحداث أيار 2008 "المجيدة" بالنسبة إلى الحزب، وهذا الأمر معروف ويعرفه القاصي والداني، وقد بَرّر الزعيم الدرزي في إحدى مقابلاته مؤخرا حقيقة تموضعه بجوابه عن سؤال بتساؤل: "ماذا تفعل إذا كان المسدس مصوّبا إلى رأسك؟"، فما الذي يَحول دون أن يصحح النائب ميشال عون تموضعه رأفة بالبلد ومصلحة المسيحيين داخله؟
ولا يبدو أن هذا الرجل اكتفى بما جَرّه على اللبنانيين عموما، والمسيحيين خصوصا، من ويلات، كتمكين دمشق من وضع يدها على القرار اللبناني، وصولا إلى تمكين حزب الله من خطف هذا القرار مجددا، وما بينهما محاولة إلغاء كل القوى في الوسط المسيحي أكانت حزبية أم مستقلة، إنما ما زال متمسكا بتحالفاته مع سوريا والحزب بلحظة تحولات كبرى قد تنعكس على مصير المسيحيين ومستقبلهم، خصوصا لجهة وضعهم في مواجهة مع الغرب والعرب وأهل السنة في لبنان والعالم العربي.
ولعلّ مردّ هذا الكلام إصراره، أمس، على التذكير بموقفه الداعم لنظام الأسد بقوله: "إن الهدوء عاد إلى سوريا، والنظام لن يسقط، والإصلاحات ستحدث"، في موقف مكرّر لزوّار دمشق "الخمسة" من الطائفة السنية، للقول إنّ هذه الطائفة داعمة لخياراته، علما أن تيار "المستقبل" الذي يجسّد تطلعات السواد الأعظم في البيئة السنية، رحّب بـ"التطور الهام الذي تحقق على مستوى الثورة السورية، والذي تمثّل بالإعلان عن قيام "المجلس الوطني".
تمهّد استقبالات الأسد لجَر لبنان إلى الفتنة، وثمة ما يتم تهيئة مناخاته على هذا المستوى، خصوصا بعد التحول الاستراتيجي المتمثل بولادة "المجلس الوطني"، وإدراك الأسد دخوله في النفق المظلم الأخير. وبالتالي، من غير الجائز أن يتولّى عون دور البطولة مجددا، بتقديمه الذريعة لمواجهة تحت عنوان "سنّي-مسيحي"، بينما هي في الحقيقة حرب سورية بأدوات لبنانية تستخدم مواقف عون العدائية ضد السنة لإشعال الحرب اللبنانية، وتصوير الطائفة السنيّة بأنها "إرهابية" خدمة لمآرب النظام السوري في سَعيه المُستميت للاحتفاظ بسلطة على أرض محروقة في لبنان وسوريا.

