كتب هذه العجالة (ظُهر أمس) قبل لقاء عباس بأوباما وبعد لقاء الاول بساركوزي, حيث تكثّف قوى الاستعمار الجديد ضغوطها من أجل إحباط المسعى الفلسطيني, الهادف الى نقل ملف الصراع من الوصاية الاميركية الى الساحة الدولية, التي لا تتكافأ فيها موازين القوى, منذ اعلن انور السادات ان 99% من أوراق الحل في يد واشنطن ثم هرولت القيادة الفلسطينية قديمها والحديث (ولا تنسى الفصائل الاخرى التي دأبت على مهاجمة اليمين المهيمن على قيادة م.ت.ف ثم واصلت البقاء تحت عباءته طمعاً في اعطياته أو المحافظة على بقائها السياسي, بعد أن انحسرت شعبية بعضها وفقد بعضها الاخر حضوره ونفوذه بين الجمهور الفلسطيني)..
ليس القصد تعظيم هذه الخطوة التي أقدم عليها رئيس السلطة, والتي تبدو في بعض زواياها نوعاً من التحدي(.. ) لارادة واشنطن وتل ابيب, بعد أن استمرأ اصحاب السلطة وأهلها التجاوب (اقرأ الخضوع) مع أي اقتراح أميركي أو اسرائيلي أو أوروبي, بذريعة أننا لا نريد أن نظهر كطرف رافض للسلام (.. ).. وليس لدينا بالطبع أي أوهام بأن رئيس السلطة ورئيس حكومتها سيواصلان استثمار نتائج هذه الحظوة في ادارة مقاربة جديدة من الصراع ضد الاحتلال, تعتمد في الاساس على الجماهير الفلسطينية وتنأى بنفسها عن كل ما قارفته طوال السنوات العشرين السابقة, التي لم «تنتج» سوى بناء المزيد من المستوطنات وقيام سلطة اوسلو بتحمل اعباء الاحتلال, الذي غدا بفضل مثابرة السلطة على نهجها التفاوضي غير المثمر, أقل احتلال كلفة في التاريخ الحديث والقديم.
غداً, اذاً سيعرف العالم ما إذا كانت السلطة ستقدم طلبها الى مجلس الامن, أم أنها رضخت للضغط الاميركي الاوروبي وذهبت الى الجمعية العمومية كي تحظى بمكانة دولة مراقبة (على غرار الفاتيكان), وعندها ستكون بالفعل امام غولدستون آخر (بمعنى أن عباس رفض تحويل الملف الى مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة تحت ضغط اميركي اسرائيلي مكثف أو غير مكثف وبالتالي حال دون ادانة اسرائيل).
وحتى لا تبدو الصورة غامضة أو ضبابية فإن من المهم الاشارة هنا الى أن قبول عباس بعدم الذهاب الى مجلس الامن يعني اعفاءه الرئيس الاميركي من الاثار المترتبة على استخدام حق الفيتو الذي سيشكل (عند استخدامه) رصاصة رحمة على ما تبقى من صدقية لهذا الرجل «الكلمنجي» الذي (أُهدي) جائزة نوبل للسلام, ولم يكن في نزعته الحربية والعسكرية اقل سطوة من سلفه الذي وصف نفسه بانه رئيس حرب, كذلك فإن عدم طرح الطلب على مجلس الامن سيكشف عدم صحة تصريحات مسؤوليها الذين قالوا انهم «ضمنوا» اصوات تسعة من الخمسة عشر عضوا في المجلس وهو العدد الكفيل بتمرير أي قرار عن المجلس في حال عدم استخدام الفيتو من اصحاب هذا الحق.
ولا يجب ان يغيب عن البال ان مجرد الذهاب الى الجمعية العامة يعني «تعهداً» فلسطينياً بعدم ملاحقة اسرائيل في المحاكم الدولية وعودة بلا ضمانات (حتى لو تحدثوا عن ضمانات) الى عبث المفاوضات ما ينسف أي ادعاء سابق (او لاحق) بان ما بعد 23 ايلول ليس ما قبله وان اسرائيل محشورة وفي ضائقة ومعزولة وهنا علينا ان نتذكر ما قاله الرئيس الفلسطيني يوم الجمعة الماضي في رام الله عندما «حسم» بان لا احد في العالم قادر على نزع الشرعية عن اسرائيل، في تناقض تام مع المشروع الوطني الفلسطيني وفي اعتراف مجاني بأن قيامها على ارض الشعب الفلسطيني كان حدثاً تاريخياً وفي الاساس مشروعا.
ثمة غموض يكتنف نتائج الضغوط الممارسة على رئيس السلطة والوفد الكبير المرافق له الذي قال ناطق باسمه بانهم يخوضون في نيويورك «حرب شوارع دبلوماسية» مبالغة منه في اظهار حجم العزيمة التي يبدونها (او لضمان التراجع لاحقا) وسيبقى السؤال قائما حتى اتّضاح الصورة وهي ما اذا كنا امام ارادة فلسطينية (سلطوية بالطبع) تتجاوز فشل عقدين من المفاوضات العقيمة ام ان غولدستون اخر سيظهر في مقدمة المشهد، الذي وعدونا بانه سيؤسس لنهاية الاحتلال عبر تغيير «قواعد اللعبة» التي وضعها الاسرائيليون والاميركيون ولا تنسوا أيضاً الهيكل الفارغ المسمى «الرباعية الدولية».

