يكاد الخلاف على ملفّ الكهرباء بين أهل الأكثرية يحجب الاهتمام عن الاستحقاقات الكبرى التي يشهدها الشهر الجاري داخليّا وإقليميّا ودوليّا وسيكون لها انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على لبنان والمنطقة عموما.
وهذه الاستحقاقات تتطلّب، في رأي مرجع كبير، من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وكلّ القوى السياسية الاستعداد لمواجهتها بما يجنّب البلاد أيّ انعكاسات سلبية، وملاقاتها بموقف موحّد بعيدا من التناقض السياسي هنا والاختلاف على هذا الملف أو ذاك هناك.
لكن رئيس مجلس النواب نبيه برّي يقول أمام زوّاره إنّ هناك مسألتين أساسيتين ينبغي التوقف عندهما وإحاطتهما بمزيد من المراقبة والاهتمام، وهما موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية الذي سيتم التصويت عليه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في وقت لاحق من الشهر الجاري، والتظاهرات التي تشهدها إسرائيل ويرفع القائمون بها مطالب اجتماعية في وجه حكومة بنيامين نتانياهو.
ويعتقد برّي أنّ هناك ترابطا بين هذين الأمرين، ويقول إنّ الولايات المتّحدة والمجتمع الدولي يريدان على الأرجح إيجاد حلّ للقضية الفلسطينية من بوّابة الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وإنّ التظاهرات الإسرائيلية ضدّ حكومة نتانياهو قد تكون مقدّمة لإسقاط حكومته ليخلفه آخر يسير في الحلّ المفترض للقضيّة الفلسطينية.
وإذ يكرّر برّي مقولة أن "ليس هناك في العالم دولة غير معترف بها إلّا فلسطين"، فإنّه في الوقت نفسه يتخوّف من أن تؤدّي مواقف بعض الدول العربية إلى إضعاف القضيّة الفلسطينية وبالتالي التأثير سلبا في مواقف كثير من الدول المتحمسة للتصويت في الأمم المتحدة تأييدا لدولة فلسطين. ويحذّر من خطأ يمكن أن يرتكبه بعض العرب في هذا الصدد إذا أقدموا، حسب ما يتردّد، على تشكيل وفد يذهب إلى الأمم المتحدة للبحث في موضوع الدولة الفلسطينية وحشد التأييد الدولي لها.
ويعود برّي ليتحدث عن الوضع الداخليّ، فيؤكّد "أنّ هناك ضوابط لهذا الوضع مهما علا الصراخ"، مشيرا إلى "أنّ من يراهن على سقوط النظام السوري إنّما يراهن على سراب".
ويستغرب برّي إثارة موضوع تمويل المحكمة الدولية قبل أوانه، إذ إنّه يستحقّ في نهاية الشهر الجاري. ويقول: "لقد كنّا دعونا الى الحوار وفي حسباننا أنّنا نتمكّن من خلاله أن نعالج كثيرا من القضايا الخلافيّة ومنها موضوع تمويل المحكمة".
إنطباعات وسيناريوهات
وإلى ذلك يسود انطباع في غالبية الأوساط السياسية أنّ الكهرباء كطاقة ومادّة حيويّة في حياة البلاد والعباد ليست هي من يكهرب الوضع الحكومي خصوصا والسياسي عموما، وإنّما "الكهرباء السياسيّة"، وهو سيزداد تكهرباً كلّما اقتربت مواعيد الاستحقاقات الكبرى التي تتّصل بالأوضاع الداخلية مباشرة أو مداورة، ولا بدّ من ان تكون لها انعكاساتها على لبنان.
وفيما يبقى الوضع السوري المادة الأساسية التي تؤرق الجميع، فإنّ في الاوساط السياسية مَن يتداول سيناريوهات عدة حول مستقبل الوضع الحكومي يمكن تلخيصها في سيناريوين اثنين:
الأوّل: إنّ الحكومة قد تكون عرضة للاستقالة تحت وطأة الاستحقاقات المقبلة التي ستواجهها، وفي مقدمها رئاسة لبنان لمجلس الامن الدولي التي بدأت مطلع الشهر الجاري، والموقف الذي عليها ان تتّخذه إزاء أيّ بيان او مشروع قرار يتعلق بالوضع السوريّ، أو بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان في حال لم يتمّ التوافق على تسديد الحصة اللبنانية من تمويل هذه المحكمة.
الثاني: إنّ الحكومة قد تكون عرضة للاستقالة أو للشلل في حال طال الخلاف على ملفّ الكهرباء من جهة، وكذلك على موضوع تسديد حصة لبنان من تمويل المحكمة الذي تستحق في نهاية الشهر الجاري، إذ فيما يؤكّد ميقاتي انّه يؤيّد هذا التمويل، فإنّ الاكثرية الوزارية قد تعارضه لدى طرحه على التصويت في مجلس الوزراء.
وثمّة سيناريو ثالث يتحدّث عن ان تكون استقالة الحكومة وتحولها حكومة تصريف اعمال الى امد طويل مخرجا للجميع من مواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية لجهة انّها عندما تكون بهذه الصفة، أي تصريف الاعمال، لا تستطيع اتّخاذ قرارات كبرى سواء في شأن المحكمة او غيرها، وذلك في انتظار جلاء الموقف الاقليمي عموما والوضع السوري خصوصا، وما ستتّخذه المحكمة من قرارات جديدة على نحو أخصّ.
ويقول سياسيّون إنّه في حال استقالة الحكومة على مستوى رئيسها، أو عبر استقالة ثلث أعضائها زائدا واحدا، فإنّ تأليف حكومة جديدة سيكون متعذّرا في هذه المرحلة، إلّا في حال عادت الاكثرية من ضفّة 8 آذار الى ضفّة 14 آذار، كأن يعود رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط ونوّابه وآخرون للاصطفاف الى جانب تيار "المستقبل" وحلفائه، حيث يمكن عندئذٍ تأليف حكومة جديدة بأكثرية وليدة.
غير أنّه لم تظهر في الأفق السياسيّ بعد أيّ مؤشّرات عن احتمال حصول استقالة حكوميّة من هذا النوع، وأنّ كلّ الدلائل والمواقف الصادرة عن ميقاتي أو القوى السياسيّة المشاركة في الحكومة تشير الى انّ الايّام والاسابيع المقبلة ستشهد تفعيلا للعمل الحكومي في كلّ المجالات، وأنّ ملفّ الكهرباء الخلافي سيعالج على نحو يحفظ التضامن الحكومي وليس على قاعدة تسجيل النقاط السياسية بين المعنيّين به.
لكنّ سياسيّين يخشون من ان يؤدّي عدم معالجة الملف الكهربائي قريبا واستمرار الخلاف عليه الى شلّ العمل الحكومي، خصوصا في حال إقدام وزراء تكتّل التغيير والإصلاح على الاعتكاف أو الاستنكاف عن المشاركة في جلسات مجلس الوزراء احتجاجا على عدم إقرار تمويل الخطة الكهربائية، إذ إنّهم يفسّرون معارضة البعض لهذا التمويل بأنّه تشكيك في صدقيّة زميلهم وزير الطاقة جبران باسيل في صرف مبلغ المليار ومئتي مليون دولار المطلوب لتأمين تنفيذ هذه الخطة.
غير أنّ زوّار برّي ينقلون عنه تأكيده أنّ الحكومة مستمرّة، وإنّ الخلاف على الكهرباء او غيرها لن يصل الى حدّ تعطيلها مهما كلّف الأمر. ويشير هؤلاء الزوّار الى انّ المعارضة التي اعتقدت لفترة انّ استقالة الحكومة أو سقوطها سيصبّ في مصلحتها، ويمكن ان يعيدها الى السلطة تراجعت عن هذا الاعتقاد، لأنّها لمست انّ رحيل هذه الحكومة لن يغيّر شيئا في المعادلة السياسيّة القائمة، لأنّ الاكثرية القائمة مستمرّة وفي إمكانها ان تؤلّف حكومة بديلة في حال استقالت الحكومة الميقاتية. وقد سمع بعض أقطاب هذه المعارضة وعلى رأسهم الرئيس فؤاد السنيورة من برّي على هامش الجلسة التشريعية الأخيرة في مجلس النواب، ومن قيادات أُخرى في الأكثرية ما أقنعهم بأنّ رهانهم هذا هو في غير محلّه.

