كان بيننا حلف. لم يعرف قط كذلك ولم يصغ قط كذلك. لكنه قال ما يلي على التقريب: إن هذا المكان هو مكان حياة وموت. نحن شعب حياة وموت. لهذا يجب علينا التكاثل. نحن متكاثلون في الخير والشر. لن يكون هنا شخص بلا سقف. ولن يكون هنا شخص بلا مكان عمل. ولن يكون هنا شخص لا يحظى بالتعليم والصحة وأمن التقاعد.
لن نستعمل هنا الشيوعية بصيغتها السوفييتية. بل لا تصح هنا الاشتراكية الاسكندنافية المثالية. لكننا لن نمكن اسرائيل من ان تصبح سدوم امريكية حيث كل واحد يهتم بنفسه وبمصيره. في أرض الميعاد هذه سيحافظ على العدل الاجتماعي الاساسي. وفي هذه البلاد المتصارعة المستقطبة، سيتم الحفاظ على فرق يقبله التفكير بين الغني والفقير. ستكون موارد الدولة المشتركة للجميع. وستخدم أجهزة الدولة للجميع. في دولة يطلب الى الفرد فيها أن يخاطر بنفسه من أجل المجموع. سيكون المجموع مدينا للفرد. لن يكون الوطن القومي اليهودي وطن ظلم. لن يسلب الفقراء ولن يدوس المضطهدين. ولن يمكن الاقوياء من افتراس الضعفاء وان يفعلوا بهم ما شاءوا.
جرى نقض الحلف الاسرائيلي قبل ربع قرن. فقد سمعت الالفية العليا في اسرائيل ان الشيوعية سقطت وان الاشتراكية اخفقت وان الخصخصة هي الموضة العالمية. ولذلك انقضت على الاجهزة العامة وافرغتها من المضمون. ولذلك انقضت على الموارد العامة وحازت لنفسها كثيرا منها. وقد نقضت عرى الاشتراكية الديمقراطية الاسرائيلية، بلا تخطيط ولا تفكير عميق من غير أن تستبدل بها سوقا حرة حقيقية.
ان النظام الاقتصادي الاجتماعي الجديد الذي انشيء كان قائما على مبدئين أعليين: التنافس في الحد الاقصى نحو أسفل، والتنافس في الحد الادنى نحو أعلى. فأجرة منخفضة للعامل وربح كبير لصاحب المال. واعتماد صفر للاجير، واعتماد خيالي لصاحب اتحاد الشركات. وحرب لا هوادة فيها للاتحاد المهني وتعظيم لاتحاد الشركات. وهكذا أصبحت البلاد في غضون زمن قصير أرض النهب. لم تصبح الرأسمالية الاسرائيلية الجديدة رأسمالية شعبية ولا رأسمالية ليبرالية، بل رأسمالية خنزيرية. فقد اضطهدت العمال وقضت على الطبقة الوسطى وسلبت الشباب الامل.
ان ما يحدث هذا الصيف في جادة روتشيلد ومدن التطوير وفي الشبكات الاجتماعية ليس احتجاج جبن الكوتج ولا احتجاج السكن فقط بل هو ثورة مضادة. فبعد ان نقضت الالفية العليا حلفها مع الالفيات الاخرى الـ 999 ثارت الـ 999 على الالفية العليا. هذه الظاهرة خطرة بمعنى ما. فهي مصابة بالغوغائية والحماسة والكراهية. وهي لا تفرق بين المال المدهش والمال العفن. وهي تتجاهل القوانين الاساسية للاقتصاد الحديث. لكن الظاهرة بمعنى آخر عادلة ومباركة. فلاول مرة منذ ربع قرن ينشأ تهديد حقيقي للرأسمالية الخنزيرية. ولاول مرة منذ سقطت الاشتراكة، يطلب الى الرأسماليين ان يقدموا كشف حساب حقيقيا. أخذ كبار البلاد يتصببون عرقا آخر الامر. وأدركوا آخر الامر ايضا أن ثمّ حد لقوتهم وثمنا لعجرفتهم. بدأ يتصدع النظام التركيزي السالب الذي حكمنا زمنا طويلا.
الساعة مشحونة وحساسة. وهي توجب الحذر والنضج والنزاهة وحسن التقدير. لا يحل أن ننسى ان الاقتصاد الاسرائيلي اقتصاد رائع مع كل ذلك. ولا يحل ان ننسى انه حدث في السنين الاخيرة في البلاد معجزة اقتصادية حقيقية ولا يحل ان نصم اصحاب المشروعات وارباب الصناعة الذين قاموا هنا بعمل مدهش وقادوا اسرائيل الى انجازات لا مثيل لها. لكنه لا يمكن في الان نفسه ان نتجاهل صوت الاحتجاج الذي يرتفع من الميادين والشوارع والشبكات الاجتماعية. ولا يمكن بعد ان نسلم برفع الاسعار وتوسيع الفروق والتخلي عن الضعفاء. ولا يمكن أن نقبل تحطيم القطاع العام، وضعضعة العدل الاجتماعي وضياع التكاثل.
من الواجب ان نقر ههنا نظاما اجتماعيا مختلفا يؤلف بين النمو الاقتصادي والتكافل. ولكن من أجل فعل ذلك يجب على الاقوياء والاشداء ان يستيقظوا من الغفوة الاخلاقية التي غرقوا فيها قبل سنين طويلة. ان تلك الالفية العليا التي نقضت الحلف الاسرائيلي هي التي يجب عليها الان أن تجدده.

