شعبية أوباما الأوروبية والتحديات الداخلية

في إحدى القرى المعزولة بين التلال الخضراء ومزارع إنتاج الألبان في أيرلندا نجد مقهى تحول مع مرور الوقت إلى مزار للسياح يضم كل ما يتعلق بأوباما.

ففي الغرفة الخلفية لحانة "أولي هايز" ينتصب تمثال برونزي للجزء الأعلى لأوباما تصطف حوله كؤوس مترعة بمشروبات أيرلندية، فيما تبرز صورته معلقة على الجدار، وهو يحمل في يده كأساً، ناهيك عن صور أخرى وأنواع مختلفة من التذكارات التي ترمز إلى أوباما تزين المكان.

وسبب هذا الاحتفاء بالرئيس الأميركي في بلدة "مونيجول"، كونها القرية التي اكتشف مساعدو أوباما أنها ترجع إليها أصوله الأيرلندية من جهة والدته، كما أن الحانة التي تزدان بصور أوباما كانت المكان الذي قصده الرئيس قبل شهر خلال زيارته إلى أيرلندا ولقائه مع أقرباء بعيدين للتعرف على أصوله "السلتية".

والحقيقة أنه رغم هذا الكشف والاهتمام الذي حظيت به القرية الأيرلندية ومعها الحانة المذكورة اقتصر الزوار على السياح المحليين، وهو ما عبر عنه الساقي قائلاً: "يأتي الناس على مدار الساعة، لكن أغلبهم من الأيرلنديين لا من الأميركيين، ربمـا لأنكم تعودتم على أوباما فيمـا نحـن لا". هذا الاحتفاء بأوباما في قرية أيرلندية مغمورة، يعبر فقط عن مدى افتتان أوروبا بالرئيس الأميركي.

والأمر هنا لا يقتصر على الأيرلنديين الذين عادة ما يفتخرون بأي رئيس أميركي قد تعود أصوله البعيدة إلى بلدهم، بل ينسحب حتى على البريطانيين الأكثر تحفظاً، والذين كانت مظاهر الحبور بادية عليهم خلال زيارة أوباما الشهر الماضي إلى لندن وخروجهم إلى الشوارع لرؤية موكبه وهو يمر في المدينة، وعندما ألقى أوباما خطاباً متقناً كالعادة أمام مجلس "العموم".

وتطرق إلى موضوع القيم المشتركة كاد البريطانيون يغمى عليهم من شدة الإعجاب، بل إن صحيفة محافظة مثل "تايمز" يملكها إمبراطور الإعلام "روبرت موردوخ"، قارنت بين مهارات أوباما الخطابية وبين مهارات تشرشل ولينكولن وكيندي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الظاهرة تمتد أيضاً عبر القناة إلى أوروبا في ألمانيا وفرنسـا، إذ في الوقـت الذي يعجز فيـه رئيسنا عن إبقاء نسبة شعبيتـه فوق 50 في المئة داخلياً نجده في أوروبـا يحظـى بالإعجاب والتقدير، حيث أظهر أحد استطلاعات الرأي الذي أجري في العام الماضي أن 78 في المئة من الأوروبيين يؤيدون أسلوب قيادة أوباما، وهو رقم يفوق بكثير ما حققه أوباما من شعبية داخلية. وفي أوروبـا أيضاً ما زالت مسيرة أوباما الحياتية تلهم العديدين باعتبارها رمزاً لمبدأ الاستحقاق المستمد من الحلم الأميركي، وهو ما بدأ الأوروبيون يفقدونه في ثقافتهم.

وقد سعى خطاب أوباما في البرلمان البريطاني إلى اللعب على هـذه النقطـة بذكـاء واستعادة مبدأ المساواة في القيم الغربيـة، الذي جعـل من الممكن "لحفيد رجل كيني كان يعمل طباخـاً للجيش البريطاني أن يقـف أمامكم كرئيس للولايات المتحدة الأميركية"، دون أن ننسى استفادة أوباما من استياء الناخبين الأوروبيين من قادتهم واستعدادهم مقارنتهم بأي قائـد آخر من خارج الحدود، لاسيما في ظل أجواء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب أوروبا.

وعدم نجاح السياسيين الأوروبيين حتى هذه اللحظة في التغلب عليها، وهو ما أثر بشكل واضح على معدلات شعبيتهم سواء تعلق الأمر بالمستشارة الألمانية، أو الرئيس الفرنسي، أو حتى رئيس الوزراء البريطاني نفسه، كاميرون، ناهيك عن رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني الذي يواجه فضائح متتالية.

هذا بالإضافة إلى تقدير الأوروبيين لأسلوب أوباما الخاص في القيـادة ولجوئـه إلى التعاون والتشاور بدل المطالبة بتحالف مجاني.فعلى سبيل المثال، أخبرني رجل أعمال إيطالي بنوع من الإعجاب أن أوباما في ليبيا "لم يصر على قيادة الولايات المتحدة وسمح لباقي القوى الأوروبية بقيادة العمليات العسكريـة".

لكن مشكلة أوباما أن تلك الشعبية الكاسحة التي يحظى بها في أوروبا لا تكتسي وزناً كبيراً في الداخل، فإذا كانت سيرته الذاتية مازالت محط إعجاب في أوروبا، فهي داخل أميركا أصبحت أمراً عادياً، كما أن الأميركيين لا يكترثون ما إذا كان أوباما أكثر شعبية من ميركل، أو ما إذا كان الاقتصاد الأميركي أفضل قليلاً من نظيره الأوروبي.

ولا أحد في أميركا يهتم اليوم بقصة المرشح الأسود الذي تحول إلى رئيس لأميركا رغم مساره المتواضع وأصوله الأفريقية، وهو ما أكده استطلاع للرأي أنجزه "جالوب" خلال الشهر الجاري عندما أظهر أن 5 في المئة من الأميركيين لا يهتمون بالأصول الأفريقية، لأي رئيس أميركي مقارنة بحوالي 22 في المئة من الأميركيين الذين قالوا مثلاً إنهم لن يصوتوا على مرشح من طائفة "المرمون".

ومن المتوقع أن يتراجع العامل العرقي أكثر خلال انتخابات العام 2012 بحيث لن يركز الأميركيون على لون الرئيس أو أصوله، ولن يبقى أوباما المرشح الأسود الذي كان في انتخابات 2008 بل سيُقيم انطلاقاً من سجله، وفي هذا السياق لن تنفعه أصوله الأفريقية ولا الأيرلندية بقدر ما سينفعه مدى إسهامه في التعافي الاقتصادي.

السابق
هذا الرجل خطير
التالي
لا مؤشرات على سقوط الأسد