زمن إعلامي ولّى

 يغرف الإعلام الرسمي وشبه الرسمي السوري من جعبة ملأى بنظريات وتعابير ومصطلحات لم تعد تنطلي على أحد في عصر الفضائيات و «الفايسبوك» وكاميرات الهواتف النقالة، وعلى رغم ذلك يصر على الاستمرار في اعتمادها وسيلة للدفاع عن النظام في وجه حركة الاحتجاجات السلمية الداخلية والدعوات الدولية الى الإصلاح العاجل والجذري.

فإضافة الى استمرار هذا الإعلام في التحدث بإسهاب وفي شكل يومي عن «المؤامرة» الخارجية التي تستهدف الحكم السوري «الناجح» و «المحسود» ويورد «تفاصيل ومعلومات» عن السيناريوات التي يحوكها «المتآمرون» منذ سنوات طويلة، مؤكداً علمه المسبق بها (!)، وإرفاقه كل ذلك بخطابة مملة عن قدرة سورية على «الصمود والتصدي» وكشف «الأيادي الخبيثة» التي تمتد اليها من قطر مروراً بتركيا وإسرائيل ووصولاً الى فرنسا والولايات المتحدة، وطبعاً لبنان، تتحول أي زيارة لأي شخصية اجنبية او أي اتصال تجريه شخصية ما بمسؤول سوري الى «دليل حاسم» على صحة مواقف النظام، وتنسب اليها اشادات بتحليله للأوضاع وإعجاب بأسلوبه في معالجتها.

وهكذا انتقد عضو مجلس النواب الأميركي دنيس كوسينيش الذي زار دمشق قبل يومين ما نسبته اليه وكالة الأنباء السورية الرسمية، وقال انها حرّفت تصريحاته بتضمينها عبارات تشيد بالرئيس الاسد. ونفى النائب في بيان صادر عن مكتبه في واشنطن ان يكون ادلى بمثل هذه التصريحات خلال مؤتمره الصحافي في العاصمة السورية، معتبراً بإيحاء ساخر ان المشكلة ربما تكمن في «سوء الترجمة»، علماً ان وسائل الإعلام السورية كانت وصفت زيارته بأنها «زيارة وفد الكونغرس الاميركي».

وبالتأكيد، فإن هذا الإعلام يستمد اسلوبه وتوصيفاته الجاهزة ولغته الخشبية وتعابيره الجوفاء المكررة التي حفظها الناس ويتوقعونها في كل مرة يظهر مقدم النشرات الإخبارية على شاشة التلفزيون السوري، من فكر النظام نفسه وتركيبته الأمنية ونظرته الفوقية الى مطالب شعبه وإنكاره لوجود معارضة مستقلة، واستعداده الدائم لنسبة أي تحرك يطالب بتغيير ولو في حده الادنى الى نظرية الاستهداف الخارجي.

ولهذا يكون «طبيعياً» ان تعتبر نائبة الرئيس السوري نجاح العطار في لقائها مع رئيس جمعية الصداقة الروسية – السورية الكسندر دزاسوخوف و «بكل ثقة» ان 99 في المئة من السوريين يؤيدون رئيسهم والاصلاحات التي يقوم بها، جرياً على عادة النظام في اعلان نتائج الاستفتاءات والانتخابات الشكلية التي يجريها. وبالتأكيد، فإن السيدة النائبة لم تحتسب اكثر من 1300 سوري قتلوا حتى الآن بأيدي اجهزة الأمن والجيش منذ بدء الحركة المطالبة بالتغيير، ولا عشرات الآلاف من المعتقلين الذين لا يعرف شيء عن مصيرهم.

وعلى طريقة عنترة العبسي في تعظيم قوة خصومه للاعتداد بقوته، يجمع الإعلام السوري في تحديده لجبهة «الاعداء» الذين يتهمهم بتحريض السوريين على النظام «وإمدادهم بالمال والسلاح»، ما لم تستطع السياسة الدولية جمعه، في جبهة موحدة ممتدة من شرق العالم الى غربه. لكنه زمن مضحك ولّى لا يزال يتمسك به اعلام «سوفياتي» صدئ مهمته الأولى تبرير القمع. 

السابق
أحمدي نجاد يحذر من اعتقالات في صفوف حكومته
التالي
هكذا ستتعامل الحكومة الجديدة مع الفلسطينيين

اترك تعليقاً