«العتب على قدر المحبة». ولكننا هنا سنتجاوز عتبة العتب، في تناولنا لبرنامج نحبه، لنصل الى حد الاستهجان، وربما.. الاستنكار.
لا بد أولاً من الإشارة الى أن برنامج «للنشر» يمتلك ميزات تفاضلية بين البرامج التلفزيونية الأخرى. ويبرهن من خلاله الزميل طوني خليفة، تطوراً لافتاً في تقديم البرامج، بعد انتقاله تحديدا الى قناة «نيو تي في».
ولكن.. ثمة ما يستدعي التوقف عنده في الحلقة التي عرضت أمس الأول. وتحديدا قضية علي شبانة، الذي تم توقيفه والتعرض له بالضرب والإهانة في مخفر حبيش على مدى 19 يوما، إثر «توريطه» في قضية مخدرات بين لبنان واستراليا، سرعان ما ثبتت براءته منها!
اللافت منذ بدء الحوار مع شبانة (ومعه محاميه وسام المذبوح)، أن الزميل خليفة كان ينطلق من نفَس تشكيكي. ربما يقال إن مهمة الإعلامي تقتضي ذلك، ولكن أسلوبه كان يتخذ منحى تصعيدياً، وبسرعة لافتة، حتى بدا كمن يتخذ موقفا مسبقاً إزاء الرجل ربما، لم يكن نتوقع، من خلال الإعلان الترويجي المسبق عن هذه الفقرة في البرنامج، أن يلعب المحاور هذا الدور الهجومي بحق ضيفه، لا سيما أنه من عادة البرنامج أن يناصر أصحاب الحقوق. ما يدفع الى التساؤل حول حقيقة الدوافع التي جعلت الزميل خليفة يسلك هذا المنحى في الحوار، وعما اذا كان هناك قطبة مخفية دفعته الى تغيير وجهة الهجوم من المرتكب باتجاه الضحية نفسها. علما بأن شبانة اتهم بتجارة المخدرات، إثر إرساله مقود سيارة، ضمن طرد بريدي الى أخيه في استراليا، ليتبين لاحقا لدى السلطات الاسترالية أن الطرد يخلو من الممنوعات!
وإذا كان تعرض مواطن لبناني للضرب والشتائم هو صلب الموضوع، فإن خليفة تجاوز هذه النقطة في بداية الحلقة كمن يبرر الاعتداء بقوله: «السلطات الاسترالية أبلغت الجهات اللبنانية بأنك أرسلت طردا يحوي مخدرات .. ولكل دولة طريقتها في التحقيق»!
هكذا.. وببساطة؟ يقول «إن لكل دولة طريقتها في التحقيق؟» وقد كرر العبارة ثانية لاحقاً، كمن يتهرب من إلقاء المسؤولية على صاحبها! كيف يضرب مواطن، ويتم تركيعه على قدمه المعرضة أساساً لإعاقة، ويتم التجريح به وبعائلته وأمه وأخته… لإجباره على الاعتراف بذنب لم يرتكبه، ثم يقال له بعد ذلك.. «انك بريء .. لقد أخطأنا».
والقصة هنا ليست قصة براءة شبانة. فهي أبعد من ذلك بكثير. وتطرح احتمال بأن يدلي بعض الموقوفين أحيانا باعترافات لأفعال ربما لم يرتكبوها، نتيجة تعنيفهم في غرف التحقيق. وحتى لو كان الموقوف مداناً بالفعل، فلماذا يتم التعرض لهؤلاء ما دامت السجون قد أنشئت للمعتدين على النظام والمخالفين؟ لماذا نعاقبهم مرتين؟
ولكن خليفة لم يكتف «بقنبلة» واحدة، فأتى بعدها بأخرى. إذ قال لشبانة ومحاميه إنهما يسعيان لنيل مبلغ مالي كبير، كتعويض لما تعرض له الرجل! وهل التعويض في مثل هذه الحالة تهمة أم انه يستكثره على من تعرض للإذلال، ولشبهة «تجار المخدرات» بنظر معارفه وأقاربه؟ بل ان التعويض في حالات مشابهة في الخارج، ولا نقول مماثلة، حق بديهي وقانوني..
وما يثير الاستغراب هو انه تبين خلال الحوار أن اسم شبانة لم يرد أساساً في مذكرة الانتربول الواردة من السلطات الاسترالية الى اللبنانية. بل تم «توريطه» بالقضية عن طريق شخص آخر. وهذا ظلم آخر.. ولم تكف تبرئته من قبل السلطات في البلدين، ليضعه خليفة في قفص الاتهام غير مرة، كمن يعيد القضية الى بدايات التحقيق.
والمشكلة هنا، ليست بالطبع في «لعب دور الشيطان»، كما قال خليفة مبرراً أسلوبه، بل في تحويله الضحية الى متهم. والأخطر في محاولته التغطية على القوى الأمنية. ليعترف بذلك لاحقا بقوله لضيفيه: «أنا عم جرّب خفّف عنا كلبنانيين وحوّلها عالاستراليين بس إنتو ما بدكن»!
ولعل المثير هنا هو تخلي خليفة عن التوازن الذي اشتهر به برنامجه. وهو ما حاول إثباته بتكلف في ختام الحلقة، لدى محاورته هاتفيا العقيد عادل مشموشي الذي قاد عملية التحقيق. فبدا كمن ينقل اليه أقوال شبانة ليرد عليها، من باب رفع العتب، وليس المساجلة.
خاض خليفة بكل تفاصيل الحكاية، ولكنه حاول تجنب الأهم فيها وهو إذلال شبانة أثناء التحقيق معه. وعندما تطرق اليها، راح يكمل بدوره التحقيق معه حول ما إذا كان الضرب قد تسبب فعلا بسقوط أسنانه، أم أن أسنانه كانت أساسا في وضح حرج لخضوعها للعلاج المسبق..!
القضية ليست هنا.. ليست في مدى متانة الأسنان أو عدمها. القضية هي في التعذيب المجاني لمواطن بريء تسبب له بالسلس البولي، والتجريح به معنويا. بل في الطلب من العناصر الأمنية بتعليقه من خصيتيه. هذا ما كان يجب التركيز عليه أكثر في الحلقة.. إنه الموضوع الإنساني أولاً واخيراً، ما دام «للنشر».. يتابع قضايا الإنسان.

