لا يضحك ولا يصمت

في الشهر القادم سيمكث في معاهد اكاديمية في امريكا زميلا بحث – رئيس هيئة الاركان السابق غابي اشكنازي ورئيس "أمان" السابق عاموس يادلين. وقد نظم الاثنان استعدادا لسفرهما الى الخارج فكاهات للطريق ونكتا خاصة. احدى النكت المضحكة هي أنه عندما تخرج وزارة الخارجية الامريكية مع خطة سياسية للشرق الاوسط سيوجد هنا في اسرائيل من يقول إن أيديهم كانت هي العليا. والنكتة الثانية أقل إضحاكا: ذات صباح سيستيقظوا من نومهم ليعلموا من وسائل الاعلام الامريكية أن "الزوجين" (نتنياهو وباراك) فعلا ذلك. هاجم "الزوجان" ايران!.
مئير دغان رئيس الموساد السابق لن يسافر الى واشنطن. دغان باقٍ في البلاد لهذا لا يبيح لنفسه أن يضحك. وربما بسبب ذلك لا يستطيع أن يبيح لنفسه ان يصمت.
قال دغان إن مهاجمة ايران ستكون أمرا "غبيا". وقد عدّ أضرار هذا الهجوم وكوارثه. ووضع علامة سؤال على القدرة على تنفيذه بنجاح. وقد قال على العموم: "عندي شكوك في قرارات مصيرية تُتخذ في الدولة".
ليست هذه المقالات التي تُسمع من فم رئيس الموساد أمرا عاديا ولا أمرا يُستهان به. حاول دغان، لاول مرة علنا، أن يعوق نتنياهو وباراك. وليس هذا سليما ولا رسميا ولا مهذبا ايضا. لم يكن دغان قط رجل تهذيب وأدب لكن يُخيل إلي أن ما يبعث كلامه هو الخوف الحقيقي، ويُخيل إلي أن الاستخفاف بنتنياهو وباراك قد صرخ من النص.
يقود نتنياهو وباراك سياسة تحاول ان تهب للعالم شعورا بالذعر. يحاول باراك الآن أن يتنحى قليلا، ويصعب أن نعلم عنده أذلك حقيقي أم وهمي فقط. بعثا شعور الذعر بالتهديد بالعمل بالقوة في ايران. إن التهديد باستعمال القوة هو أداة الضغط. وها هو ذا رئيس الموساد قد جاء، وليس الحديث عن مجرد رئيس موساد بل عن واحد كسب لنفسه مكانة دولية، ويعوق أداة الضغط ويعترض على القدرة ويهزأ بالسياسة ايضا، ولا شك أن دغان قد أضر بشعور الذعر حتى دون الرد الايراني الذي تبنى كلامه بحرارة وتحدٍ.

سيجار وويسكي ومصير الأمة
ليس للصحفيين أن يقرروا هل تجب مهاجمة ايران أم لا، وليس لنا أن نُقدر نتائج هذا الهجوم، وكذلك نتائج الامتناع عن الهجوم. لكن نقاء الضمير والتقديرات وطريقة اتخاذ القرارات تقتضي المتابعة والتناول.
أحد الأفعال التي كانت كذلك كان قبل بضعة اشهر في يوم جمعة حسن جميل، دُعي رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي فيه الى بيت رئيس الحكومة في القدس. التقى هناك نتنياهو وفي يده سيجار وعلى مائدته كأس ويسكي، وباراك وفي يده سيجار وفي يده الثانية كأس ويسكي. في هذا المقام رغب "الزوجان" في أن يُجريا مع رئيس الاركان مباحثة استراتيجية حاسمة. من غير مستشارين عسكريين ومن غير طابعة ومن غير تسجيل وتوثيق. بعبارة اخرى، إن دولة اسرائيل ومصيرها بلا شهود، اذا استثنينا السيجار والويسكي والساعة الـ "فاتيك – فيليب" على ذراع أمن وزير الدفاع.
هل تريدون قصة اخرى؟ تفضلوا: ذات يوم التقى نائب رئيس الحكومة ووزير الداخلية، ايلي يشاي، رجلا عسكريا رفيع المستوى جدا. اعتزل الاثنان جانبا وبدءا يتناجيان. في اثناء تناجيهما قال يشاي: "أنا مصدوم، قالوا لنا في السباعية إن موقفك معاكس تماما لما تقوله لي الآن. لماذا لا يدعونك الى السباعية؟". أجاب الضابط رفيع المستوى: "لا يدعونني كي يستطيعوا الاستمرار في تضليلكم".
اهود باراك حمامة حقيقية معللة. قليلون هم الاشخاص القادرون على أن يصوغوا على نحو مقنع جدا ما هو مرفوض في حرب مبادر اليها، وما هو سيء في ضربة ردعية، ولماذا لا يجوز لنا أن نخرج للحرب إلا حينما لا يكون لنا مناص، وعندما تغلق النافذة ويُسد الأباجور.
اذا كان الامر حسنا الى هذا الحد فلماذا هو سيء الى هذا الحد؟ ما الذي حدث في الشأن الايراني؟ اجل، إن اشخاصا لا تستهويهم ايضا نظريات المؤامرة ومن لا يرون ظل المؤامرات وكأنها مؤامرات، يرتابون في ان باراك قد تبلبل هذه المرة: انه قد ائتلفت عنده ربما على غير علم، قضية وجودية وقضية سياسية ومسألة استراتيجية مع مسألة شخصية.
نتنياهو، بخلاف باراك، يؤمن من أعماق قلبه بأن السنة هي سنة 1938 وبأن احمدي نجاد هو هتلر وأنه لا ينقص المعادلة سوى تشرتشل. وهو على يقين من قدرته على تأدية دور تشرتشل. بالمناسبة، هو يعرف التمثيل. لو أُنشئت لجنة بحث يُطلب اليها اعداد ممثل وفنان لمنصب رئيس الحكومة لكان الاول بلا ثانٍ. على كل حال سيعتقد ان الذرة في ايران تُعرض دولة اسرائيل لخطر واضح مباشر، وكذلك الشعب اليهودي ومجاله كله. قد يكون على حق. لكنني أصغر عن البت في ذلك.
أخذ باراك خوف نتنياهو وألبسه تلاعبه وبهذا ضمن لنفسه بقاءا سياسيا.
إن العقد بين نتنياهو وباراك قد أقر ما يلي تقريبا: أنت تعطيني ايران وأنا أعطيك حل الدولتين أو ما تم تعريفه عند وسائل الاعلام بأنه "يتسهار مقابل بوشهر"، وجلعاد شليط. في الوقت الذي كتبت فيه هذه السطور كانا لا يزالان يفيان بالتزامهما المزدوج.
في الاسبوع الماضي أُجري لقاء صحفي مع باراك في ملحق صحيفة "هآرتس". كان لقاءا محرجا. شعرت عند قراءتي كلامه بعدم الارتياح وكيف يتحلل فجأة من الشأن الايراني وكيف يموضع نفسه والآخرين بالنسبة اليه في المجال العام من بن غوريون الى الجنوب. وكان هناك أكثر من هذا. لست أذكر نصا سياسيا فاسدا وركيكا الى هذا الحد، ومذكرة تهاوي قيم. قبل 12 سنة عشية انتخابه لرئاسة الحكومة أوضح في مقابلة صحفية مع الملحق نفسه ما هي الرسالة العامة ولماذا يجب على انسان ان يعيش من اجل شيء ما أكبر من نفسه. وها هو ذا الآن ينظم قصيدة طمع وسخرية لكن بفصاحة.
في الوقت القريب سينشر مراقب الدولة لندنشتراوس تقريرا في شأن الاموال التي جمعها باراك ونقلها الى بناته. ما يزال نشر التقرير محظورا، لكن الحيلة الدعائية التي تقول انه سيتم الحديث هناك عن خلل تقني وفساد رسمي لا تساوق الحقائق. سأقول هذا فقط: لو أنني كنت محامي افيغدور ليبرمان لمضيت الى مساءلة وفي احدى يدي ملف ليبرمان وفي اليد الثانية مفاجأة – هي ملف باراك. وكنت أعترف باسم موكلي الوزير ليبرمان، أعترف بكل شيء ثم أحول وجهي وأقول: يا سيد فنشتاين ويا سيد لدور، يا رفاقي العلماء، الآن بعد ان اعترفت بكل شيء أوضحوا لي من فضلكم: ما يوم من يومين؟ وما ابنة من بنات؟ وما ملف من ملفات؟ لماذا يعفى عن وزير الدفاع ويوصم وزير الخارجية؟.
انهم يخافون
إن ضربة مبادرا اليها وضربة منعية للجمهورية الايرانية وتوابعها في المنطقة تقتضي استعدادا جيدا قبل ذلك للمجتمع الاسرائيلي لاختبار قوة طويل. كانت تدريبات سلطة الطواريء الوطنية ترمي الى تقارير مراقب الدولة أكثر مما ترمي الى هدف. إن تنسيق الرقابات الدنيا والعليا وتخييل اوضاع الطواريء في الجبهة الداخلية يناسبان محاضر الجلسات ويناسبان الواقع أقل من ذلك.
مع عدم وجود اعداد حقيقي للجبهة الداخلية، يُحكم على الجيش أن يحجز بين المستوى السياسي وبين فعل الحماقات. أظهر رئيس هيئة الاركان بيني غانتس قبل ان يتم تعيينه موقفا قيميا والسؤال هل يبدو بعد ذلك عجلا ليّنا. وقف اشكنازي بجرأة في وجه المستوى السياسي وهو شيء منحه ايضا تقدير الرئيس شمعون بيرس الذي صنفه باعتباره أكبر رؤساء هيئة الاركان في جيلنا.
الآن يخشى رئيس الدولة ويخاف اعضاء في السباعية، ويرهب مسؤولون كبار في اجهزة الأمن سابقون في السياسة وصحفيون مطلعون على الأسرار. يجب أن نعترف بأن نتنياهو أحسن توقع المستقبل وتحققت رؤياه وهي انهم يخافون.

السابق
المعاني القانونية للاعتراف العالمي بالدولة
التالي
الشروط لحماس وللدولة الفلسطينية