من المفارقات الأكثر طرافة أو سخرية هذه الأيام في لبنان، هذا التزامن بين مشهدين متناقضين على أرض واحدة: من جهة أولى، أكبر تظاهرات تسلسلية في تاريخ البلد، للمطالبة بإسقاط النظام الطائفي… ومن جهة ثانية، توغل المرجعيات الدينية في الأزمة الحكومية.
لكن الأكثر غرابة في هذه المفارقة، هو هذا الإجماع الواحد، على الإشادة بطرفيها المتناقضين. هكذا، فيما كان آلاف من الشبان اللبنانيين يخترقون شوارع بيروت وجبيل وصيدا، مطالبين بفصل مؤسسة الدولة عن مؤسسات الدين، كانت الأصوات تعلو مؤيدة مشجعة مثنية وآملة الاستمرار لتحقيق الهدف. في المقابل، حين خرجت أصوات المرجعيات الدينية لتدلي بدلوها في تفاصيل الحياة السياسية والمسألة الحكومية، كانت الأصوات نفسها حاضرة وجاهزة للإشادة بحكمة المسؤولين الدينيين ورصانتهم وحصافتهم وحرصهم على المصلحة الوطنية. إجماع على ترقب التظاهرة التالية، وإجماع على انتظار القمة الروحية.
إنه شيء ما من الازدواجية أو الخبث أو الجهل على المستوى الجماعي اللاواعي. وهو ما كان زياد الرحباني أول من اكتشفه في معادلة «80 و80»، حيث تبين له في حساب بسيط أن مجموع نسب الرأي العام اللبناني هي 160 في المئة… حتى قيل إن نموذجاً صارخاً عن ذلك، أظهرته لقطة تلفزيونية سريعة، بثت قبل أيام، مع أحد المشاركين في تظاهرة ضد الطائفية. سئل الشاب المتظاهر عن سبب وجوده هناك وخلفياته، فراح يسهب في الكلام على أن دوافعه مرتبطة بالعيش الواحد والمساواة بين المواطنين والدين لله والوطن للجميع… وسوى ذلك من كليشيهات الإعلام الرسمي الديني والسياسي. بعدها سئل مباشرة: هل أنت إذن مع أن يكون رئيس الجمهورية غير ماروني؟ فذهل المشارك وظهرت الصدمة على وجهه، قبل أن يجيب مستنكراً: شو خص هيدي بهيدي؟ علماً بأن التدقيق في الوقائع، يظهر تمايزاً ملحوظاً بين حالة وأخرى، من حالات التوغل المؤسسي الديني في المؤسسي السياسي.
فمن جهة البطريرك الماروني الجديد، مار بشارة بطرس الراعي، كان واضحاً هذا الميل لديه إلى تأكيد اهتمامه وعنايته والتزامه القضايا الوطنية العامة، والخاصة. وهذا ما يفسر تكراره المكثف لتصاريح سياسية مباشرة وأحياناً تفصيلية: حكومة الأكثرية مخالفة للدستور، حكومة تكنوقراط هي الأفضل الآن، الوقوف إلى جانب رئيس الحكومة المكلف، الإشادة بصبره… وصولاً إلى تزكية الوزير زياد بارود.
أما من الجهة الإسلامية، فقد مثّلت دار الإفتاء القطب المقابل من عملية التوغل الديني في السياسي. منذ بيان التشبث بمرشح معين لرئاسة الحكومة، إلى ما سمي بيان «الثوابت» الذي هو في الواقع اصطفاف واضح على خطوط التماس السياسية المفتوحة في البلد، وصولاً إلى دعم رئيس الحكومة المكلف، وقطع الطريق ـــــ لمصلحته ـــــ من طريق وضع سقف سياسي من الموقع الديني، لما هو مقبول وما هو مرفوض في السياسة، من موقع المرجعية «الإلهية».
هكذا يبدو التمايز واضحاً. فسيد بكركي الجديد، يبدو كأنه يسعى إلى أمرين اثنين، لا علاقة لهما بالتورط السياسي الداخلي. فمن جهة أولى يحاول مد جسور كانت قد فقدت قبل مدة بين الصرح وسواه، ونشر حالة من التواصل والحوار بين جميع الموجودين على رقعة البلد. ومن جهة ثانية، يبدو الراعي كأنه يحاول أن يحقق على صعيد الكنيسة اللبنانية، التجربة الفذة التي حققها يوحنا بولس الثاني على مستوى الكنيسة العالمية. لجهة الخروج عن البروتوكولات الكنسية وكسر الجمود الإكليريكي، وفتح الكنيسة على الإعلام من أجل وصولها إلى الشباب خصوصاً. وهذا ما يأخذ بالبطريرك إلى سبل ضيقة، يريدها معبراً نحو الطريق الواسع للعلاقة المباشرة بين «الله» و«أبنائه»، عبر وسائل الإعلام، أو «رسل الزمن المعاصر».
أما من جهة دار الإفتاء، فالمسألة تبدو أقرب إلى شعور مضطرب، بين خوف على دور جماعة وموقعها، أو عكسه تماماً، أي الشعور بفائض قوة حيالهما، استناداً إلى تطورات الخارج، وما يُعتقد أنه «صحوة» كبرى لهذه الجماعة في المنطقة والمحيط، يفترض ألا يكون ناسها في لبنان متخلفين عنها. وهذا ما جعل لقاء دار الفتوى برئيس الحكومة المكلف، يذكر بمرحلة قمم عرمون، ورئيس الحكومة الراحل أمين الحافظ، مع فارقين أساسيين، أن «قمة عرمون الجديدة» انتقلت سريعاً من رفض «الطرابلسي الآخر» إلى تأييده. كذلك لم تتوقف عند انتقالها من قمة طائفية قبل أربعة عقود، إلى قمة مذهبية اليوم… وفي هذين الفارقين، تأكيد ربما على ذلك الشعور المزدوج، بين خوف النكسة، ونشوة الصحوة.
مهما كانت الأسباب، يظل على رجال الدين التنبه إلى ما يقومون به. إلا إذا كان الزمن قد أصبح فعلاً زمن الرأس على عقب. حتى يدعي محمد علي الجوزو على ميشال عون، متهماً إياه بإثارة النعرات الطائفية.

