هذه بغداد: هنا لا صور لخامنئي ولا للخميني…

من حسن حظ العراقيين أنّ الكتل البرلمانية باتت كتلاً مختلطة.

ليس في العراق من يجرؤ على القول: “نحن ممثلوا الشيعة”، أو “نحن كتلة تنطق باسم السنة” أو الأكراد. لقد توزع تمثيل المكوّنات العراقية على الكتل كلّها.
يقول رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم إنّ أهم ما أنجزته الانتخابات العراقية في مسارها الذي بدأ في العام 2004 – وجرت بعد ذلك دورات انتخابية ثلاث آخرها في العام 2018 – هو أنّ “الانتخابات الأولى شهدت تحالفات قامت على أساس مذهبي: تحالفات شيعية أو كردية أو سنية، لكنّنا في الانتخابات الأخيرة صار من الصعب الحديث عن تحالفات صافية، بل باتت الخيارات السياسية هي التي ترسم خريطة اللوائح الانتخابية أو الكتل البرلمانية، المكون السني توزع في لوائح عدة وكذلك فعل الشيعي والكردي”.

ما يقوله الحكيم باعتداد عن أنّ الكتلة الشيعية في البرلمان باتت متوزعة على كتل برلمانية متعددة، يكرّره، في أوساط عراقية متنوعة، ناشطون من نخب ثقافية واجتماعية، تتحدث بطلاقة عن الشخصية العراقية، عن المجتمع الذي تتداخل في مكوناته العائلية والعشائرية هويات مذهبية، تجعل من الصعب أن تشكّل داخله الهوية المذهبية منافسا للهوية العراقية، أو عنصراً محدداً لنظام العلاقات بين المواطنين. حتى الأحزاب التي تتسم بصفة مذهبية كجماعة التيار الصدري برئاسة رجل الدين مقتدى الصدر، باتت مضطرة أو مختارة أن تنتج لغة “عراقية” خارج حلقتها الدينية وحقلها المعجمي المفترض أنّه مغلق بالمعنى المذهبي. اليوم ليس في خطاب الصدر ما يوحي بأنه الناطق الشيعي أو باسم فئة منهم، هو يدرك أن هذه اللغة لم تعد تلبّي المصلحة السياسية. وقد قام هذا التيار نفسه بعقد تحالف مع أحزاب ومجموعات علمانية، بخطاب ركز على البعد الاجتماعي والسياسي. بعض الناشطين السياسيين من الذين تحالفوا انتخابيا مع التيار الصدري، وينتمون الى تيارات علمانية ومنها الحزب الشيوعي العراقي، حين يتحدثون عن مقتدى الصدر على سبيل المثال، لا يلامس جوهر انتقادهم المسألة الدينية، بل تراهم أحيانا يشيرون الى ألاعيبه السياسية، وأحياناً أخرى الى كونه من أكثر الشخصيات العراقية السياسية استقطابا للمؤيدين، والبعض يشير إلى تورط بعض جماعاته بالفساد، لكنك لن تسمع ما يشير الى أن قوة العلاقة معه أو ضعفها مردّه إلى سبب ديني أو مذهبي. النقاش يذهب دائماً نحو السياسة والمصداقية والكفاءة والمشروع.
البعد الإيراني يظل حاضراً بقوة في أي حديث سياسي مع شخصية مسؤولة أو جماعة من الناشطين. فإيران لها مؤيدون من صفة التابعين، ولها أصدقاء.
مسؤول سياسي بارز تحدث بصراحة إلينا، خلال رحلة قام بها كاتب هذه السطور مع زملاء آخرين إلى مرجعيات عراقية. فقال إنّ “المشكلة مع السياسة الإيرانية في العراق، أنها سياسة لا تعرف بناء تحالفات، بل تريد اتباعاً، وعند أي اختلاف، وهو طبيعي بين أي متحالفين، لا يجوز أن تكون ردّة فعل أحدهما تخوين الحليف”. يؤكد المسؤول العراقي أن العراقيين بمعظمهم يريدون علاقات صداقة مع ايران، ولن يقبلوا بعلاقات تبعية.

إقرأ أيضاً: لا يمكن لبننة العراق ولا عرقنة لبنان

أما بالنسبة للأميركيين فإن علاقاتهم مع العراق تتركز على الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية، وهي اتفاقيات جرى توقيع معظمها في عهد نوري المالكي، أحد أكثر الشخصيات العراقية التي يشار اليها باعتبارها قريبة جدا من ايران، لا بل يذهب البعض إلى أن الجنرال قاسم سليماني هو من منع المسّ به عندما حمّلته المسؤولية بعض التحقيقات حول انهيار الجيش المذهل في العام 2013 أمام تنظيم داعش. والثابت أن أكثر من يعلنون العداء للولايات المتحدة الأميركية ووجودها في العراق، لا تصل بهم الحدّة إلى المطالبة بخروج الاميركيين بالكامل من العراق. فحتى الأمين العام لعصائب أهل الحق العراقية، التابعة لإيران، قيس الخزعلي، في تصريح صدر له قبل أيام، دعا القوات الأميركية الى الخروج من العراق، لكن قال في التصريح نفسه إنّ “العراق يحتاج لوجود قوة أميركية محدودة من المستشارين العسكريين والخبراء”.
ثمة إقرار عراقي تجده لدى الجميع بأن القوات الأميركية كان لها دور محوري وقيادي وفاعل في مواجهة تنظيم داعش، لذا فإنّ الشعور العام العراقي لا يزال ينظر الى الوجود العسكري الأميركي كعنصر استقرار وقوة للعراق.
ما يمكن أن تلمسه من المواطنين العراقيين على تنوع مواقعهم، شعوراً بالندية تجاه ايران. فالعراق كما قال لي أحدهم “ليس لبنان”. وتابع: “نحن دولة تمتلك ثروات هائلة ولا نحتاج دعما ماليا من ايران”. وأضاف: “بل نتهم جهات إيرانية بالاستحواذ على أموال وثروات عراقي. وإذا كان لإيران موقعها الديني وحوزة قم، فنحن منبع المراجع والنجف هي مركز الحوزة الدينية العريقة والممتدة في التاريخ”.
لا أحد ممن التقيناهم يريد خوض مواجهة مع ايران أو يكنّ العداء لها. لكن ثمة انزعاج واضح من التدخلات الإيرانية التي يبدو أنّها تنذر ببروز قوّة معارضة للسياسة الإيرانية بشكل معلن، فيما لو أصرت القيادة الإيرانية على التحكم بمفاصل القرار العراقي.

إقرأ أيضاً: الموصل بعد دجلة

احد الناشطين في مدينة بغداد، وهو يفتخر أنّ من يعرفه من أصدقائه العراقيين وغير العراقيين لا يعرف إن كان ينتمي إلى المذهب الشيعي أو السني. يقول إنّه رغم كل الاحداث التي مرت عليه في السنوات الأخيرة بقي محافظاً على هذه السمة التي لا يزال متمسكا بها. في الحديث عن إيران يقول ناشط عراقي آخر بانفعال: “هذه بغداد أمامك، إذهب حيث تشاء، لن تجد في شوارعها وأزقتها صورة لملك أو رئيس غير عراقي، لن تجد، مهما قيل، صوراً للخميني ولا للخامنئي.. وكفى.

آخر تحديث: 30 يناير، 2019 10:46 ص

مقالات تهمك >>