قاسم: حذار من الخصخصة في القطاع العام لضرب التعليم

يقول النقابي والدكتور محمد قاسم "منذ السبعينات لم يأت اي مسؤول يكون همه الوطني التعليم الرسمي بل جرى استخدام المدرسة الرسمية مركزا للتوظيف والاستخدام وتأمين المكاسب السياسية على حساب العملية التعليمية، والا كيف نفسر ان خطة التعليم لم يُطبق منها الا بنودا خجولة كما أن نسبة المدارس المستأجرة في بيروت تبلغ 80% وهي بمعظمها بيوتا سكنية. إن 95% من موازنة التربية مخصصة كرواتب للمعلمين واي مشاريع اخرى تتم بشكل استعراضي ولا تُنجز على وجهها الصحيح!".

تحدث قاسم لمجلة “شؤون جنوبية” حول مشاكل التعليم الرسمي وقال “نبدأ بجذر المشكلة من خلال السياسة التربوية المعتمدة من قبل السلطة السياسية حول التربية والتعليم في لبنان وسلم الاولويات لدى المجلس النيابي والحكومة، يظهر فورا ان التعليم في لبنان منذ تأسيسه ينحى باتجاه القطاع الخاص على حساب التعليم الرسمي، فبعد انتهاء الهيمنة العثمانية عن لبنان ومن ثم الهيمنة الفرنسية في اطار الميثاق الوطني والدستور وانشاء الكيان اللبناني، كانت الاولوية الاساسية لبناء وطن وتوحيد اللبنانيين واعطاء الاهمية الاساسية للمدرسة الرسمية، فهي البوتقة الوطنية الاساس التي توفر الاندماج الاجتماعي والفكري والاختلاط بين اللبنانيين وبالتالي توحدهم حول المفاهيم الوطنية المشتركة، ويمكن القول أن مرحلة الستينيات والسبعينيات أي في عهد الرئيس فؤاد شهاب، هي مرحلة استقطاب للعدد الاكبر من التلاميذ اللبنانيين، ولكن سرعان ما اتت الحرب اللبنانية وعادت السياسات اللبنانية الى اعطاء الاولوية للمدارس الخاصة، من ثم عمدت كل الطوائف والمذاهب الى انشاء مؤسساتها التعليمية وهُمش التعليم الرسمي وبات الان امام مخاطر جديّة”.

اقرأ أيضاً: ندوة لـ«شؤون جنوبية» في النبطية حول التعليم الرسمي وآفاته التربوية

التعليم للجميع

ورأى قاسم ان “الخطة الاستراتيجية للتعليم” او “التعليم للجميع” لم تكن مجدية طارحا جملة من التساؤلات: “هل توفرت العناصر التي تؤمّن التعليم للجميع في المدرسة الرسمية؟ وهل كانت مؤهلة او مجهزة او لديها قدرة على استيعاب التلامذة كافة؟ وهل الجهاز التعليمي والبناء المدرسي والبنية التحتية في هذه المؤسسات قادرة على استيعاب التلامذة الوافدين اليها اذا كان التعليم للجميع”؟

اجاب قاسم على تساؤلاته قائلا:” للاسف، لم تكن هذه الخطة لتشمل الجميع واعتقد ان هذا العنوان فضفاض، هو شعار جيد خصوصا ان الدستور يلحظ مبدأ الزامية ومجانية التعليم، ولكن هل يُنفذ ذلك ؟ وهل المدارس الخاصة تؤمّن التعليم للجميع بدون اكلاف مالية؟ نحن امام ازمة الاقساط المدرسية وازمة ارتفاع كلفة التعليم في لبنان والتي تعتبر من أغلى الفواتير في العالم وهي تضاهي فاتورة الصحة والخدمات الاخرى، فاللبناني يدفع ما يقارب المليار وثلاثمئة مليون دولار اقساط مدرسية، وبالتالي لو تمّ تحويل جزء من الاموال الى المدرسة الرسمية لاستطاعت هذه الاخيرة تنفيذ مشروع التعليم للجميع، لذلك هذه الخطة بقيت حبرا على ورق، ولم تكن على مستوى طموحات اللبنانيين”.

واشار قاسم الى ان مؤتمر الطائف جاء ليثبت الطائفية وهو لم يأت بحلول ديمقراطية كاملة “فقد تأخر دور وزارة التربية وحتى مجلس الوزراء في اتخاذ خطة انهاض التعليم الرسمي وتوفيره للبنانيين، وبعد انتهاء الحرب اللبنانية كانت الفرصة الذهبية لاعادة دمج اللبنانيين من خلال تنفيذ خطة الخريطة المدرسية، والمقصود بها ان تقوم الدولة بانشاء مجمعات مدرسية في مناطق مختلطة ومشتركة بين مختلف الطوائف تساهم في خلق اندماج سوسيولوجي وديمغرافي ويجري اختيار مناطق جغرافية مشتركة لاعادة انصهار اللبنانيين في بوتقة واحدة، ولكن حصل عكس ذلك فضُربت المدرسة الرسمية ولم يُوفر لها اي عنصر من عناصر الاستقرار والتطور، وفي نفس الوقت شُجعت الاطراف والقوى المذهبية على انشاء مؤسساتها، وانعدمت امكانية الاندماج المفترضة”.

وأسف قاسم لحال التعليم الرسمي في لبنان، واشار الى ان السياسات المتبعة من قبل السلطة السياسية وعدم صرف الاعتمادات المالية المخصصة له وفشل خطة النهوض التربوية، كلها عوامل ساهمت في تراجع المدرسة الرسمية، ويقول “في العام 1970 وقبل الحرب اللبنانية كانت موازنة وزارة التربية تشكل 22% من مجمل الموازنة العامة تذهب معظمها للمدرسة الرسمية، وبعد الطائف وحتى يومنا هذا لم تعد تتجاوز ال 7% بمعنى ان خطة النهوض التربوية المركزية التي أُقرتها الحكومة والتي تؤكد على تعزيز الانتماء الوطني والانصهاروالانفتاح الفكري والثقافي واعادة النظر بالمناهج وتزويد النشئ الجديد بالمعارف والقيم الوطنية الاصيلة كالحرية والديمقراطية والتسامح، كما النهوض بالتعليم الرسمي والتوازن بين التعليم الاكاديمي والتعليم المهني وتطويرهما، وهذا للاسف لم يُطبّق منها شيئا”.

خطة النهوض

واستعرض قاسم خطة النهوض التربوية التي ” أُقرت بمرسوم في مجلس الوزراء بموازنة مليار ومئة مليون دولار وشملت تسعة مجالات ولم يُنفذ منها الا مجال واحد، واعتمدت مبدأ التكامل بين التعليم وحاجة المجتمع ومواكبة التطور والتكنولوجيا وما شابه ، ومن بنودها: تحديث الادارة التربوية والمناهج التعليمية، بمعنى اعادة النظر بمناهج التدريس واستحداث مناهج جديدة متطورة لها مستلزمات متنوعة، وتطوير الكتاب المدرسي كما الوسائل التعليمية المطلوبة والمعلمين والبناء المدرسي والتعليم المختص والنشاطات الشبابية والتوجيه. للاسف البنود التسعة لم يُنفذ منها الا بند الكتاب المدرسي الذي جاء كأنه اسقاط من فوق، وتم تدريب المعلمين لعدة ايام لمواكبة الحداثة لان ما طرح في خطة التعليم التربوي هو انهاض كامل للمدرسة الرسمية، ولان هذه المناهج التعليمية تستوجب صرف مليون وثلاثمئة دولار نحو الابنية المجهزة الحديثة كي يتم تنشيط المدرسة واجراء اعداد كامل للمعلمين واعادة تأهيلهم من خلال كلية التربية ودور المعلمين وكان من المفترض ايضا تحديث الادارة، ولكن للاسف لم يُنفذ من هذه الخطة الا بعض الكتب المدرسية واعداد جزئي للمعلمين وأُغرق التعليم الرسمي بالمتعاقدين الذين منذ اتفاق الطائف لم تجر مباراة مفتوحة واحدة، ولم تستخدم كلية التربية او دورالمعلمين من اجل هذا الموضوع”.

شؤون جنوبية

حذار من الخصخصة التعليمية

وحذَّر قاسم من المخاطر المحيطة بالمدرسة الرسمية ورأى أن “موضوع الخصخصة وضرب المدرسة الرسمية ومشروع باريس 1 و2 و3 والان باريس 4، لا يهدف الى تطوير القطاع العام، بل لضربه وضرب المكتسبات التي يحققها والاتجاه نحو سياسة السوق” ويرى ان “عدد طلاب المدرسة الرسمية في سنة 1974 عشية الحرب كان بحدود 340 الف تلميذ من اصل 455 الف تلميذ لبناني، اما اليوم فنسبة التلاميذ في القطاع الرسمي تدنت كثيراً، كما ان المدارس الرسمية الثانوية تحقق نجاحات بفضل الكفاءات التعليمية الموجودة فيها والتاريخ التي تستند اليه هذه الثانويات والتي اكتسبتها من الخبرات القديمة والتراكمات التي حققتها في مجال التعليم، والانظار الان تتجه الى هذه الثانويات الرسمية لضربها، فهي لا زالت تحفظ توازن التعليم في لبنان وتسد بعض الثغرات في التعليم الاساسي وتردف الجامعة اللبنانية بالطلاب، وإذا ضُربت هذه الحلقة المتبقية من التعليم الرسمي تُضرب كل مقومات التعليم في لبنان، والمطلوب الان من كل الهيئات والقوى الوطنية الحريصة على الوحدة الوطنية وتخريج طلاب بمنحى وطني ان تتداعى لطرح الصوت والعمل من اجل ٍايجاد خطة متكاملة لمواجهة السلطة السياسية وحماية وتطوير المدرسة الرسمية، لان هذه الاخيرة هي في خطر جدي، وللاسف اصبح عدد المدارس المجانية، وهي اشبه بدكاكين للتعليم يوازي عدد المدارس الرسمية والجميع مسؤول هنا عن هذا التدهور الحاصل”.

تفعيل الاندماج الوطني

واضاف قاسم في هذا المجال “اذا كان المنحى للمرجعيات السياسية ان تبقى غارقة في شعاراتها وعناوينها الطائفية والمذهبية ولا تعطي الاولوية للمدرسة الرسمية، علينا العمل كقوى حريصة على الوحدة الوطنية وتفعيل الاندماج الاجتماعي بين اللبنانيين في اطار فكري وتاريخي وثقافي موحد، ولكن السلطة السياسية لا تفسح المجال، فموازنة وزارة التربية تراجعت من 22%الى 7% وما يحدث هو لمصلحة المدرسة الخاصة، كما يجري حاليا تقاسم الحصص والمغانم بين بعض القوى السياسية حتى انها تتقاتل فيما بينها على تعيين المدراء وتتدخل في تعيين الاداريين والنظّار وحتى بتعيين الحجاب”.

قاسم وجه دعوة لكل “القوى السياسية وروابط المعلمين والنقابات والاتحاد العمالي العام ولجان الاهل في المدارس الرسمية وكل الفعاليات والمجتمع المدني الى التحرك، وقال” نحن الان سندعو الى لقاء خصوصا بعد طرح قضية سلسلة الرتب والرواتب ومحاولة بعض المرجعيات في المدارس الخاصة تحميل الدولة جزء من السلسلة، كما ان الطلقة الاخيرة تُطلق على رأس المدرسة الرسمية بتحميل خزينة الدولة جزء من رواتب المعلمين في المدرسة الخاصة “.

النزوح السوري

وأكد قاسم ان “المؤامرة ايضا كانت جلية وواضحة خاصة مع بدء الأزمة السورية، وبالرغم اننا كنا اوائل المهتمين بتعليم ابنائهم وايوائهم والحفاظ على كرامتهم وحقوقهم المدنية، للاسف ان وزارة التربية استسهلت استخدام المدرسة الرسمية فقط، وحتى الحلفاء لسوريا لم يقدّموا مدارسهم الخاصة في مرحلة بعد الضهر علما انها تقفل في هذا الوقت، واقتصر هذا العبء على المدرسة الرسمية وهي اساسا مأزومة، وبالتالي اصبح عدد الطلاب السوريين يفوق عداد الطلاب اللبنانيين وأُغرق التعليم الرسمي بأزمة جديدة، في حين لم تبادر المدرسة الخاصة الى تقديم اي دعم، وخاصة مع ادماج الطلاب السوريين واللبنانيين في فترة قبل الظهر، وهنا أُربكت المدرسة الرسمية خاصة في موضوع اللغة الاجنبية ولجأ الكثير من الاهالي الى سحب اولادهم منها”.

اقرأ أيضاً: «التعليم الرسمي» ندوة لـ«شؤون جنوبية» في النبطية: شكاوى الاساتذة وصرخة ألم

قاسم راى ان السلطة السياسية لا تقوم بأي خطوة لاستدراك المخاطر الناتجة عن ازمة التعليم الرسمي، اضافة الى مشكلة الاساتذة والاداريين “الامر الذي فاقم ايضا ازمة المتعاقدين، ونشهد كل يومين تحركا للمتعاقدين بالاساسي او الثانوي وهي دوامة تعيش فيها المدرسة الرسمية”.

كما لفت الى ان المدارس الرسمية اصبحت جميعها ذات لون طائفي ومذهبي واحد وقال “المؤسف انه اصبح لدينا تلاميذ لا يعرفون تلاميذ آخرين من مذهب اخر، واذا كان التوجه فعليا ان ننهض بلبنان، علينا ان نُطبق مشروع الخطة المدرسية، مثلا في منطقة البقاع تعتبر شتورة بلدة جامعة وايضا زحلة وجوارها لتشكل مكانا للقاء الاطياف المختلفة. للاسف لا يبدو ان السلطة السياسية في هذا الوارد بل كل يبحث اين بإمكانه ان يفتح مدرسة لطائفته او مذهبه”.

وشددّ قاسم على ضرورة تفعيل دور المجتمع الاهلي والبلديات والاندية والهيئات المحلية بإشراف وزارة التربية، ولكن للاسف الدولة اللبنانية لم تَرد للمدرسة الرسمية ان تُحتضن من محيطها، ومن المفترض ان يكون للبلديات دورا من دون ان تحلّ بديلا عن وزارة التربية، من خلال تأمين فسحات او اراضي او ابنية او نشاطات او دعم مالي، وايضا مازوت وتدفئة ولكن ليست هذه السياسة العامة المعتمدة، هناك بعض البلديات قدمت اراض، ومشروع تجميع المدارس الذي أُقر في عهد مدير التعليم الابتدائي نايف معلوف في سنة 1971 جرى تفعيله وقدمت البلديات عقارات بالمئات لانشاء مدارس مسجلة باسم وزارة التربية لمصلحة مشروع تجميع المدارس، ولكن حتى هذا المشروع إستُغل سياسيا.

وختم “انا اطلق صرخة وطنية أنقذوا التعليم الرسمي تنقذوا الوطن.

(هذه المقالة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 167 ربيع 2018)

آخر تحديث: 8 مايو، 2018 4:11 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>