العلاَّمة الأمين: الانعكاس الرّوحيّ لتغيُّر أعمارنا والعلاقة الثابتة بين الاجيال

شارك العلامة السيد محمد حسن الامين في مؤتمر "مسارات السلام" الدولي الذي نظّمته مؤسسة "سانتيجيديو" في ألمانيا، في مدينتي "مونستر" و"أوزنابروك" والذي استمرّ من 9 أيلول لغاية 12 منه. والقى العلامة الامين محاضرة في المؤتمر ركز فيها على الإنعكاس الروحي بسبب تغيير الأعمار، والعلاقة بين الأجيال الجديدة والأجيال التي سبقتها، وكيف يصوغ الدين العلاقة السليمة بين الأجيال المتفاوتة الداخلة في عصر واحد، بين جيل الشباب وجيل الشيوخ.

وقال العلامة الامين: تحت عنوان “مسارات السلام”، وهو عنوان هذا الإجتماع الدولي، لا يسعني إلا أن أُحيِّي بإكبار القائمين على تنظيم هذا الإجتماع، واختيارهم هذا العنوان ليكون موضوعاً للبحث والتداول بين نخب متنوعة من أنحاء العالم.
إن مسارات السلام ليست هدفاً خاصاً لشعب من الشعوب، أو أمة من الأمم، بل نكاد نرى أن هذا العنوان لا يشبهه أي عنوان آخر في درجة الإهتمام بين كل الشعوب على هذا الكوكب الأرضي.

اقرأ أيضاً: العلامة السيد محمد حسن الأمين: هناك اختلافات وليس خلافات بين الأديان

ومسارات السلام المفترضة كثيرة لا حصر لها، ومنها السياسات المتبعة في علاقات الدول والشعوب بعضها ببعضها الآخر، وأهمية هذا الاجتماع أي مسارات السلام لا تقتصر فيه على المواضيع السياسية، بل ثمة إدراك بأن شروط السلام تكمن في مجالات لا حصر لها، ذات أبعاد دينية وأخلاقية وتربوية، وقَدَرُ الآباء والأبناء إدراك الحقيقة من عنوان الموضوع الذي اقترحته عليّ اللجنة المختصة، فخصتني اللجنة بتقديم موضوع يشكل انعكاساً روحياً لآثار تغيّر الأعمار، والمسافة الطويلة بين أعمار الفتيان والشيوخ، فمن كان الآن في عصر الطفولة والصبا سيغدو بعد عقود في عصر الشيب والشيخوخة، وسينجم عن ذلك مفارقات وملابسات في علاقة الأجيال بعضها ببعض، والمطلوب في هذه المداخلة أن أتحدث عن الإنعكاس الروحي بسبب تغيير الأعمار، والعلاقة بين الأجيال الجديدة والأجيال التي سبقتها، وبعبارة أوضح أن أبيّن كيف ينظر الدين إلى هذا التفاوت بين الأعمار من جهة، وكيف يصوغ العلاقة السليمة بين الأجيال المتفاوتة الداخلة في عصر واحد، أي بين جيل الشباب وجيل الشيوخ.
رؤية الاسلام
ولكوني من بين علماء الدين المسلمين، فسوف تقتصر كلمتي عن رؤية الدين الإسلامي لهذا الموضوع، مع أنني على يقين بأن الأديان الأخرى لا تقل اهتماما عن الإسلام في بناء العلاقة الإنسانية السليمة بين طبقات المجتمع العمرية، ولكن السؤال إلى أي مدى تأثرت المجتمعات في عصرنا الراهن بالرؤية الدينية لهذه العلاقات الإجتماعية، فنحن بكل أسف نشهد مزيداً من التفكك بين أبناء الأسرة الواحدة، ومزيداً من تعصب الأجيال المتفاوتة لآرائها، والحق أن هذا التعصب والتفاوت الحاد بين هذه الأجيال إنما يعكس أزمة أخلاقية وقيمية تعانيها المجتمعات على تفاوت قليل أو كبير في هذا المجال، وإني لألاحظ أن المجتمعات المتقدمة تعاني من هذه الأزمة أكثر من مجتمعات العالم الثالث، الذي مازالت العلاقات الإنسانية فيه تربط بين أجيالها برباط أخلاقي ديني.
إن الضمانات التي تؤمنها المجتمعات المتقدمة لكبار السن فيها ليست كافية لإشباع غريزة الحنو والمحبة واحترام الصغار للكبار، وعطف الكبار على الصغار، ولعل التقدم الصناعي والتقني هو أهم سبب في انصراف الأفراد عن أسرهم وتحررهم من الحاجة إلى هذه الأسر، فيما نلاحظ وأنا أتكلم عن الشرع عموماً وعن المسلمين خصوصاً لأؤكد أنه ما زالت الروابط بين الأجيال أكثر عاطفةً، ولعل الدوافع الدينية التي ما تزال فاعلة في المجتمع الإسلامي تشكل السبب الأكبر في توفير السلام بين الأجيال المتفاوتة، وثمة في أدبيات الإسلام في القرآن وفي الأحاديث الدينية ما يؤكد ذلك كقوله تعالى : [ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا].

مؤتمر مسارات السلام
واجبات متبادلة
هذا في علاقة الآباء والأبناء، والإسلام يرتب على الآباء والأبناء واجبات متبادلة، فعلى سبيل المثال هناك مجتمعات شرقية إسلامية لا توجد فيها ضمانات مادية لكبار السن، إلا أن الشرع الإسلامي يلزم الأبناء برعاية الآباء، ولكنه في الوقت نفسه لا يعطي للآباء حق السيطرة الكاملة على أبنائهم، أي على الجيل الجديد، ويظهر ذلك في كلمة مأثورة للإمام علي : “ربوا أبناءكم على غير ما ربيتم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”. مما يدل على أن الإسلام يضع منهجاً للتعامل بين الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة، ويفتح بين الأجيال أبواب الحوار، وعلى كبار السن ان يتقبلوا ما تفرضه مستجدات العصر، وأن يتخلوا عن بعض القيم التي لم تعد تصلح للعصر الجديد، كما أن على الفتيان والشباب أن يستفيدوا من تجارب الشيوخ وحكمتهم، وهكذا تظل العلاقة علاقةً وديّة بين الأجيال.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: تطبيق الشريعة يكون في دولة مدنية ينتخبها الشعب

التربية الدينية
إن ما يساعد في تحقيق هذا الهدف هو المؤسسات التربوية والمؤسسات الدينية، وهنا لا بد لي أن أركز على غياب التربية الدينية عن كثير من المدارس، وحتى الجامعات، وعندما يصبح الدين منبوذاً فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى أزمة أخلاقية تطال هذه العلاقة الإنسانية بين الشباب والشيوخ، فالدين يأمرنا بالقول : “إرحموا صغاركم، ووقروا كباركم” ثم إن على الأجيال الجديدة أن تتذكر بأنها سوف تصبح في سن الشيخوخة، وبالتالي فإنها سوف تواجه المعاناة نفسها التي يعانيها جيل الشيوخ الراهن.
وفي النهاية فإني أقترح عقد مؤتمر دولي للنظر في هذه المسألة، وفي إلزام المؤسسات التربوية باعتبار دروس الدين والأخلاق دروساً ضرورية، فهدف التربية بالنهاية هو صياغة الإنسان وتوفير عناصر الأخلاق والدين في الأجيال الحالية والقادمة.
وختم: إن ما أوردته سابقاً لا يعني أنني أطالب إلغاء حقيقة الخلاف والإختلاف بين الأجيال، بل يجب أن نتقبلها بوصفها من الحقائق الطبيعية، وإنما الدعوة إلى تنظيم هذه العلاقة وإزالة الشوائب السلبية منها، ولعل مؤتمرنا هذا هو أحد أشكال التصدي لهذه المسألة، ولفت النظر إليها، والبحث عن الحلول الإنسانية لها.

آخر تحديث: 14 أكتوبر، 2017 5:10 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>