خارطة الطريق الروسية لما بعد حلب و الأفخاخ المنتظرة

دخلت روسيا الى الميدان السوري بقوة في شهر أيلول من العام ٢٠١٥ و لفترة قتالية من الجو حددتها القيادة الروسية باربعة أشهر .

كان ذلك استجابة لطلب إيراني سوري مزدوج هدف الى إنقاذ النظام السوري من السقوط المحتم ، بعدما فشلت آلته العسكرية و الدعم غير المحدود الذي وفره له الحرس الثوري الإيراني و أذرعه اللبنانية و العراقية و الافغانية و الباكستانية في حمايته ومنع انهياره . وبدون أدنى شك إن الرئيس بوتين لم يقدم على هذه الخطوة التي فيها مصلحة روسية جيواستراتيجية ايضا الا بعد ان وفر لها تفاهمات وغطاء من الغرب بشكل عام و من الادارة الأميركية بشكل خاص .
أنقضت الأشهر الأربعة دون ان يحقق الجانب الروسي التغيير العسكري الميداني الذي يمكّن النظام و حلفائه من استعادة المبادرة وفرض تسوية سياسية لمصلحتهم للقول ان مهمة الحملة الروسية قد أتت أُكلها.
مددت روسيا حملتها العسكرية وأصبحت فضائية و أرضية و قاربت اليوم السنة و النصف تقريبا، وتوسع نطاقها، وزجت فيها القيادة الروسية قوى و اعتدة إضافية اكثر فتكا . وكانت الانتخابات الرئاسية الأميركية ( حيث يتعطل فعل الادارة الأميركية ) ، فرصة للروسي كي يحسّن موقعه و موقع النظام السوري في الميدان كمقدمة ضرورية لتحسين شروطه في التسوية السياسية للازمة السورية و لازمات المنطقة واستخدام ذلك في تسهيل معالجة العلاقات الثنائية مع الجانب الأميركي خاصة في ملفي الأمن الاستراتيجي و الملف الاوكراني .
نجح الروسي بعد ان تصالح مع التركي وطويت صفحة التوتر بين البلدين التي نشأت إثر إسقاط طائرة السوخوي الروسية في إبرام صفقة مع التركي منحته فرصة تحقيق إنجاز عسكري ميداني نوعي في عدم عرقلة حصار شرق حلب والتزام الصمت على التدمير المنهجي للمشافي و المخابز و كل البنى التحتية ، ما جعل أسباب الحياة معدومة في شرق المدينة التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة و فصائل من ( جفش) .
ترافق ذلك مع التزام تركيا بسحب أربعة ألاف مقاتل من فصائل المعارضة الامر الذي مكن الجانب الروسي و شركائه (الجيش النظامي والحرس الثوري الإيراني واتباعه من المليشيات اللبنانية والعراقية و الافغانية و الباكستانية )من فرض شروطه في الميدان ، الذي قضى بانسحاب ما تبقى من مسلحين الى خارج مدينة حلب وإجلاء آلاف المدنيين من شرق المدينة المدمر .
بداية ، لم يرض اتفاق حلب النظام السوري و الحرس الثوري الإيراني واتباعه الذين حاولوا إفشاله مرارا، فكان لهم الروسي بالمرصاد .
وهكذا ظهر الاختلاف بين مصالح وخطط شركاء النظام السوري في الميدان . وشكل ظهور قاسم سليماني في شوارع حلب الذي حاول من خلاله الإيحاء بانه هو و ما يمثل ابطال التحرير ، أكبراستفزاز لقيادة النظام السوري وكذلك للقيادة الروسية .
في مقابل تنازلاته في حلب ، ضمن السلطان اردوغان المجروح بأثار المحاولة الانقلابية موافقة الجانب الروسي على الدخول الى الأراضي السورية وتحرير مدينة الباب من داعش ، ما يضمن له منع انتشار الأكراد السوريين المدعومين من أميركا على الحدود التركية السورية الشمالية وانهاء احتمال قيام كيان كردي سوري متواصل جغرافيا .
ولمنع تعطيل الصفقة الروسية التركية في سوريا ، بادر الرئيس بوتين بالدعوة الى اجتماع في موسكو ضم و زراء خارجية و دفاع كل من روسيا و تركيا و ايران انتهى الى وضع خارطة طريق لوقف شامل للأعمال القتالية تشمل كل الأراضي السورية على ان يلي ذلك بدء جولة من المفاوضات السياسية المباشرة بين ممثلين لفصائل المعارضة و ممثلين للنظام في آستانة عاصمة كازخستان في حدود النصف الاول من شهر كانون الثاني الحالي ، وبرعاية روسية تركية مشتركة تمهيدا لمفاوضات جنيف وعقد تسوية نهائية و فق قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤.
ولضمان نجاح العمل بخارطة الطريق تلك ، كثف الرئيس بوتن اتصالاته المباشرة بالرئيسين الاسد و روحاني .
نجح الجانب الروسي الضامن لقوات النظام السوري و حلفائه الإيرانيين و أذرعهم المختلفة في انتزاع موافقة ثلاثة عشر فصيلامن المعارضة السورية على الهدنة ، بتسهيل ودعم تركيين في اجتماع جمع ممثلين عن هذه الفصائل مع القيادة العسكرية الروسية في اسطبول غًُيبت عنه ايران طبعا . وتجدر الإشارة هنا إلى استمرار التباين في الموقف حول المنظمات المستثنات من هذا الاتفاق غير داعش ، حيث تصر تركيا على تصنيف الميليشيات الكردية كتنظيم ارهابي و روسيا من جهتها تصر على تصنيف (جفش ) كتنظيم ارهابي ايضا . ولكن الثقة المتولدة بين الروس و الأتراك بعد تجربة حلب جعلتهما يغلبان نقاط .الاتفاق على نقاط الاختلاف
إن الروسي الذي يعاني من ضائقة اقتصادية حادة بسبب تدهور أسعار النفط ، والحصار الاقتصادي الغربي عليه من خلفية الملف الاوكراني ، و الاستنزاف المتمادي لقدراته الاقتصادية و العسكرية و الامنية نتيجة تورطه بالحرب السورية والتوترات المحيطة بأوكرانيا وبمنطقة بحر البلطيق ، يسعى جاهدا و بالتعاون مع الجانب التركي الذي اثبت مصداقيته في حلب ( حسب التقدير الروسي ) لوضع أسس متينة للتسوية السياسية للازمة السورية على ان تنضم الى جهودهما لاحقا جهود كل الافرقاء المعنيين بالازمة السورية ، (العربيةالسعودية ، ايران ، الاْردن ، مصر قطر)، و بالطبع الولايات المتحدة الأميركية بإدارة ترامب . ولذلك تحتل مسألة تثبيت الهدنة أهمية كبيرة في خارطة الطريق الروسية كمقدمة أساسية لا بد منها لولوج مرحلة المفاوضات السياسية بين النظام السوري و المعارضة بمحطتيها في الآستانة و جنيف ، و لهذا السبب عملت موسكو على استحصال قرار اممي لحماية الهدنة وو قف الاعمال القتالية وتسهيل وصول الاحتياجات الانسانية الى مختلف مناطق النزاع في سوريا .
انطلاقا من ذلك ، تضمنت خارطة الطريق الروسية ، خطة لإخراج كل المجموعات المسلحة غير السورية التي تقاتل الى جانب النظام وضده ،على ان تقوم موسكو وبالتعاون مع مصر و الاْردن والسعودية لاحقا ، و بالتنسيق مع إدارة ترامب بالعمل العسكري المشترك تحت شعار استئصال الاٍرهاب وهو احد التزامات ترامب في حملته الانتخابية ، بعملية عسكرية واحدة ضد (داعش) منسقة بين الجانين الأميركي و الروسي ،في الموصل و الرقة و دير الزُّور وتدمر .الامر الذي يعطي زخما قويا في حال نجاحها للتسوية السياسية للازمة السورية ،ويمهد الطريق لتعاون اشمل بين روسيا و أميركا لحل الأزمات الاخرى في الشرق الأوسط و القرم و أوكرانيا و البلطيق….الخ .

إقرأ أيضاً: خيرالله لـ«جنوبية»: روسيا وايران من يقرر وظيفة وانسحاب حزب الله من سوريا

الجانب الروسي الذي يضع ثقله السياسي و الديبلوماسي و العسكري لحماية هذه الخطة يدرك أن ثمة عقبات جدية تعترض نجاحها وهي تتمثل :
اولا ، في موقف رأس النظام السوري ، الذي يعتبر ان تحرير حلب يجب ان يشكل مقدمة لاستكمال العملية العسكرية للقضاء على المجموعات المسلحة في أدلب بحجة تواجد عناصرها ل (جفش) فيها ، وهو يرمي من خلال ذلك بعدالقضاء على المعارضة المعتدلة وضع العالم امام خيارين لا ثالث لهما ، اما هو أو داعش . لذلك هو يتجاوب اعلاميا مع رغبة الروسي بالتهدئة و يعمل سرا على تعطيلها وقد يستفيد لاحقا من بعض الفصائل التابعة له و المزروعة بين فصائل المعارضة المعتدلة لتفجيرالهدنةعلى نطاق واسع .
ثانيا، الحرس الثوري الإيراني ، الذي يدرك ان نجاح خطة بوتين ستفضي بالنهاية الى صيغة جديدة للنظام وان بقي فيها بشار الا سد لمرحلة انتقالية فهو سيكون مجردا من الصلاحيات حسب قرار جنيف و احد و قرار مجلس الأمن الدولي ٢٢٥٤ . وبذلك تكون ايران قد خسرت رهانها ،باعتبار ان نجاح خطتها في سوريا تقضي بالحسم العسكري لمصلحة بقاء النظام و على رأسه بشار الاسد والوصول الى أقصى الحدود السورية الجنوبيةلتفاوض على دورها الإقليمي مع الأميركيين و القوى الدولية الاخرى من خلال قدرتها على تهديد أمن اسرائيل ، هذا كحد أقصى .اما الحد الأدنى فهو تقسيم سوريا وفتح كوريدور شيعي من طهران مرورا بالبصرة الى تلعفر في العراق مرورا بإدلب الى حلب فاللاذقية وجبال العلوين وامتداده الى حُمُّص و القلمون في سوريا ومنهاإلى البحرالمتوسط و الداخل اللبناني عبر كوريدور شيعي فيه .

إقرأ أيضاً: روسيا تبحث عن مخرج لها من وحل سوريا وايران

هذه الطموحات الإيرانية تتقاطع في بعض جوانبها بدون شك مع مصلحة النظام في وضع العراقيل و الألغام امام الخطة الروسية .
ثالثا، إدارة اوباما المستاءة جدا من نتائج الانتخابات الأميركية ، و القلقة من مستوى التعاون التركي الروسي ، تعمل فيما تبقى لها من وقت قبل استلام ترامب الادارة الأميركية الى فرض أمر واقع جديد متوتر امام ترامب في العلاقة مع الروسي و التركي على السواء ،( اغتيال السفير الروسي في تركيا ، اغتيال ممثل روسيا في الناتو ببلجيكا ، طرد الديبلوماسيين الروس على خلفية اتهامهم بالتدخل في الانتخابات الأميركية ) ، وفي العلاقة مع اسرائيل ايضا ، بعد امتناع المندوب الأميركي عن التصويت في مجلس الأمن الدولي ضد قرار يدين سياسة الاستيطان الاسرائيلة .
اذا من هنا، سيكون الوضع في سوريا و المنطقة رهن تجاذبات خيارات التهدئة و التصعيد حتى الربيع القادم ، حيث سنشهد حدثين مهمين و مؤثرين في اتجاهات الصراع في المنطقة . الحدث الاول يتمثل بتشكيل الادارة الأميركية الجديدة وظهور خطتها للتعامل مع قضايا المنطقة ، و الحدث الثاني يتمثل بنتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية في ١٧ أيار المقبل . فإما ان يكتب النجاح للخطة الروسية مع بعض التعديلات المراعية لافرقاء الصراع، إما ان تنجح الأفخاخ المزروعة في طريقها ، فتغرق سوريا والمنطقة مجددا بالدماء و تنزلق معها روسيا وإيران إلى مزيد من الاستنزاف ، و يذهب العالم بالتالي الى وقائع إقليمية و دولية جديدة .

آخر تحديث: 8 يناير، 2017 9:42 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>