مهما اختلفت القراءات حول إطار الاتفاق بين لبنان وإسرائيل الذي وُقِّع في واشنطن، فإن الشيء الثابت والبديهي الذي لا يحتمل الخلاف هو أن نص هذا الإطار قد كُتب بلغة جديدة ومنطق آخر، ويعبّر عن وجهة علاقة جديدة بين لبنان وإسرائيل، يباين بالكامل اتفاقيات الهدنة وقرارات الأمم المتحدة السابقة، وينشئ مسار علاقات جديدة بآليات ومرجعيات مختلفة بالكامل عن مسار العلاقة السابقة بين البلدين.
من تأطير الصراع إلى محاولة تفكيكه
اتسمت اتفاقيات الهدنة والترسيم ومقررات الأمم المتحدة بمقاربة التهدئة واستقرار الحدود، والدعوة إلى ضبط النفس ووقف الأعمال العدوانية. كان الغرض ليس إنهاء وضعية الصراع والعداوة بين البلدين، وإنما التهدئة ومنع الأمور من التفجر والخروج عن السيطرة. أي إن منطق الاتفاقيات كان تأطير الصراع، لا تفكيكه، ووضع قواعد اشتباك، لا إنهاء الاشتباك، وضبط الحدود والحد من الأعمال العدوانية من الطرفين، من دون أن يستلزم ذلك اعترافًا متبادلًا أو إقرارًا صريحًا من كل طرف بكيانية الطرف الآخر، والتشجيع على الاستقرار من دون سلام نهائي.
هذا يعني أن الجنوب ظل، لعقود، منذ الوجود الفلسطيني المسلح وقيام كيان حزب الله، ساحة مفتوحة قابلة للانفجار والخروج عن السيطرة، وخاصرة رخوة غير منضبطة للبنان، تحولت إلى جرح نازف للجنوبيين، جعل حياتهم مأساة زعزعت استقرارهم وهددت أمنهم، وعرّضتهم لصور شتى من التهجير والقتل والتدمير، وتسببت، مع الزمن، بتآكل قدرة الدولة على السيطرة وفرض نفوذها في عموم الجنوب اللبناني.
إن نص الإطار يمثل إعلانًا تاريخيًا بخروج لبنان رسميًا من منطق الصراع العربي الإسرائيلي، الذي كانت القضية الفلسطينية محوره ونقطة ارتكازه،
فراغ الدولة وتمدد المشاريع البديلة
هذا الأمر خلق فراغات أمنية وسياسية، وحتى ثقافية، خطيرة، أغرت الكثير من المشاريع السياسية أو الأيديولوجية الطامحة بملء هذا الفراغ، وأسهمت، إلى حد بعيد، في فصل الجنوب اللبناني عن السياق اللبناني بأبعاده الثقافية والقيمية والسياسية والأمنية، وحولته إلى منطقة معزولة ومقفلة، ولّدت تصدعات في الولاء للدولة، وانزلاقات خطيرة في معنى الهوية والانتماء، وفي خلق مسار أمني وسياسي مستقل ومنفصل عن مسار الأجزاء الأخرى من لبنان.
هي وضعية خلقت التباسًا كبيرًا حول معنى الدولة والسيادة والهوية، وربطت لبنان ومصير الجنوبيين بمسارات غريبة عنهم، وأنتجت اغترابًا بين المكون الجنوبي، الشيعي على وجه الخصوص، وبين المكونات اللبنانية الأخرى، تفسره عبارة “ما بيشبوهنا”، التي باتت مألوفة وواسعة التداول.
ما فعله إطار الاتفاق هو أنه أحدث قطيعة مع هذه الحلقة المفرغة القابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية، بالإفصاح عن وجهة جديدة، بمسلمات وثوابت مختلفة، وخطاب مغاير، ومرجعيات تفكير مستحدثة، تؤسس جميعها لمسار جديد في طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
خروج لبنان من منطق الصراع العربي الإسرائيلي
على المستوى الإقليمي، فإن نص الإطار يمثل إعلانًا تاريخيًا بخروج لبنان رسميًا من منطق الصراع العربي الإسرائيلي، الذي كانت القضية الفلسطينية محوره ونقطة ارتكازه، وكانت القدس، برمزيتها الدينية وتوترها التاريخي، مصدر إلهام أي قضية نضالية أو قومية أو جهادية.
وهو صراع جعل الكثير من المسائل الوطنية والمحلية في مرتبة ثانوية، بل ذات قيمة تافهة، بالقياس إلى القضية الملحمية الكبرى، وهي تحرير فلسطين بعاصمتها القدس.
لبنان أولًا… وإعادة ترتيب الأولويات
ما فعله نص الإطار بالنسبة للبنان، أنه أعاد ترتيب الأولويات، بحيث بات لبنان، الكيان بهويته الأصيلة القائمة بذاتها، نقطة ارتكاز أي تفاوض أو اتفاق، وباتت الدولة، بمؤسساتها، الجهة الوحيدة والمرجعية الحصرية في إدارة أي مفاوضات أو إبرام أي اتفاق، وباتت مصلحة اللبنانيين وأمنهم والاعتبارات الداخلية الخالصة مدار القبول والرفض، ومعيار النجاح والإخفاق.
وهو إطار سلخ عن كل أدبيات النضال الأممية، والتأويلات الأيديولوجية، والسرديات الغيبية، والاستدعاءات التاريخية، شرعيتها، وأفقدها مسوغ بقائها واستمراريتها.
ثغرات قابلة للتصويب
لا يخلو نص الإطار من ثغرات بالمعنى الأمني والسياسية وحتى السيادي، لكنها ثغرات تحتمل التصويب والتصحيح اللاحق. فنص الإطار لن يكتمل فهمه بالقراءة القانونية فقط، أو بذهنية المهتم بالتوازن والتساوي بين التزامات الطرفين. فالنص يؤسس لمرحلة علاقة جديدة، ومسار مختلف.
هو تعبير ضمني عن التغير الجذري في موازين القوى والتحولات التي حصلت في المنطقة منذ سقوط النظام الأسدي الذي كان عملياً نقطة ارتكاز وأساس قوة محور الممانعة، ومنذ التصدع المعنوي والحسي في بنية حزب الله مقابل آلة التدمير الإسرائيلية الكاسحة.
بل هو أيضاً تجسيد للتحول النوعي في المزاج اللبناني الذي بات مقتنعاً بتحييد لبنان عن سياق الصراع العربي الإسرائيلي، والتعامل مع القضية الفلسطينية بما يتناسب مع اعتبارات الداخل اللبناني، وضرورة مقاربة العلاقة مع إسرائيل مقاربة مختلفة وجذرية خارج منطق العروبة أو الإسلام السياسي أو النضالي، ومع رغبة شبه كاسحة بإبرام معاهدة سلام نهائي بين البلدين، تسد الطريق على الاختراقات الخارجية والمشاريع الشمولية التي تجد في لبنان ساحة جهاد أو مدى حيوي لها.
لماذا يرفض حزب الله إطار الاتفاق؟
هذا يفسر لنا ردة فعل حزب الله العنيفة والمتوترة وغير المسبوقة على إطار الاتفاق، لا لأن نزع سلاحه بات هو الثمن المباشر والمحصلة الأولى لهذا الاتفاق فحسب، وإنما لأن إطار الاتفاق جعل حزب الله من مخلفات المرحلة المنقرضة، بعد أن نزع عن سرديته، بعمقها الديني، وأرضيتها الأخلاقية، وتأسيساتها الأيديولوجية، وكثافتها الدينية، شرعيتها، وسلب عنها صدقيتها، وأفقدها مسوغ بقائها ووجودها.
بداية مرحلة جديدة للبنان
إطار الاتفاق ليس نصًا تشريعيًا خالصًا، أو وثيقة معاهدات عادية، بل تدشين بداية جديدة للبنان في إدارة ملفاته الدولية والإقليمية، ومعالجة قضاياه المحلية.
هو نهاية لدوامة صراع قابل لأن يمتد في الزمن إلى ما لا نهاية، رغم أكلافه الباهظة، وتبعاته المأساوية، وإخفاقات حاملي لوائها الكارثية، وتأسيس لمسار آخر يكون السلام ضامنًا لسيادة لبنان وأمنه وأرضه، ويعيد للحياة الجنوبية فرحها ووهجها وألقها، ويثبت مبدأ لبنان أولًا مدار اتخاذ القرارات وبناء السياسات، بعد تغييب قسري وطويل له.

