يخيّم هدوء حذر ومفاجئ على جبهة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، بعد ليلة أولى خلت من الغارات الجوية المتبادلة منذ نحو أسبوعين.
وفيما يقرأ المراقبون هذا التطور بوصفه «وقفة تكتيكية محسوبة» لمنح المساعي الدبلوماسية والوساطة العُمانية فرصة أخيرة لخفض التصعيد، فإن مؤشرات الميدان وشروط الطرفين تؤكد أن المنطقة تقف فوق هدنة هشّة، حيث تواصل واشنطن إحكام حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، وسط تهديدات متبادلة برفع سقف الخيارات العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة.
ترامب يهدد بـ «هجوم واسع» ويشترط الامتثال الكامل
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع سقف الضغوط السياسية والعسكرية على طهران، موضحاً الموقف الأميركي من التهدئة المؤقتة عبر تصريحات أدلى بها لشبكة «LCI» الفرنسية، وجاءت ركائزها وفق الآتي:
اشتراط الاستجابة الكاملة: لوّح ترامب باستئناف العمليات العسكرية الواسعة النطاق فوراً، قائلاً «إذا لم نحصل على 100 في المئة مما نريده، فسيحدث ذلك بالتأكيد»، ومؤكداً أن تعليق الغارات لا يعني تراجع واشنطن عن خيار التصعيد.
الأوامر العسكرية المباشرة: نقل موقع «أكسيوس» عن مصدرين مطلعين أن ترامب أصدر توجيهات للجيش الأميركي بوقف الضربات الجوية مؤقتاً لإفساح المجال أمام الوساطة، بالرغم من أن قيادة الجيش تواصل إعداد خطط عملياتية لقصف أهداف حيوية تشمل محطات الكهرباء، الجسور، جزيرة خارك النفطية، والموقع النووي المحصن المعروف باسم «جبل الفأس».
دراسة «عملية خاصة كبرى»: بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، كشفت تقارير استخباراتية أن واشنطن تدرس بجدية خيار تنفيذ عملية خاصة كبرى تهدف إلى الاستيلاء المباشر على مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب.
«سنتكوم» تؤكد إحكام الحصار البحري وتضبط ناقلات جديدة
عملياتياً، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن الحصار البحري الذي أُعيد فرضه في 14 يوليو الجاري رداً على إغلاق إيران لمضيق هرمز، لا يزال سارياً بكامل قوته. وكشفت التدابير الميدانية حتى تاريخ 25 يوليو عن الآتي:
حصيلة ضبط الملاحة: نجحت القوات الأميركية في تغيير مسار 12 سفينة تجارية حاولت كسر الحصار، وعطلت حركة سفينتين رفضتا الامتثال، وصعدت على متن سفينتين للتحقق التام.
اعتراض الناقلة «شارمينار»: أتمت القوات الأميركية عملية صعود وتفتيش للتحقق من وضع الناقلة «M/T Charminar» التي ترفع علم جزر القمر في بحر العرب، قبل أن تسمح لها بمتابعة رحلتها.
تعطيل الناقلة «لافين»: نجحت قوات «سنتكوم» في خليج عُمان في تعطيل حركة الناقلة «M/T Lavine» التي ترفع علم موزمبيق، بعد محاولات طاقمها المتكررة انتهاك الحصار وتجاهل التحذيرات، حيث أُجبرت على تغيير مسارها بعيداً عن إيران.
التهديدات الإيرانية لشركاء واشنطن والاستنفار الإسرائيلي
في المقابل، تبدي طهران تصلباً في مواقفها الميدانية بالرغم من توقف ضرباتها الصاروخية اليومية تجاه دول المنطقة، حيث رصدت الهيئات الإعلامية مستجدات الموقف الإيراني والإقليمي:
تهديد الحرس الثوري لبريطانيا والخليج: نقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري قوله إن المملكة المتحدة ستصبح «هدفاً مشروعاً ومضموناً» إذا شاركت في أي عمل عسكري تقوده واشنطن، نظراً لاستخدام القاذفات الأميركية للمطارات البريطانية، مجدداً التهديد بأن أي دولة في المنطقة أو الخليج تدعم واشنطن ستكون في دائرة الاستهداف.
نقل مجلس الوزراء الإسرائيلي تحت الأرض: كشفت هيئة البث العبرية الرسمية عن صدور قرار عاجل بنقل اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر إلى موقع محصن وسري تحت الأرض، وذلك على خلفية التقييمات الأمنية الساخنة المرتبطة بالتوتر واحتمالات اندلاع جولة مواجهة عنيفة مع إيران.
بارقة الدبلوماسية.. «المشاورات المستمرة» عبر مسقط
وسط هذا الحشد العسكري، يقود وفد سلطنة عُمان حراكاً مكوكياً لإنهاء أزمة مضيق هرمز الحيوية، وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية عن تفاصيل هذا المسار في أحدث بياناتها الرسمية:
مغادرة الوفد العُماني: غادر الوفد العُماني العاصمة طهران بعد عقد سلسلة من اللقاءات السياسية المكثفة.
محادثات بناءة: وصفت الخارجية الإيرانية المحادثات التي جرت بشأن أمن الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز بـ «البناءة»، مؤكدة أن المشاورات واللقاءات التقنية والسياسية بين طهران ومسقط لا تزال مستمرة عبر قنوات مفتوحة على مدار الساعة لبلورة صيغة اتفاق تضمن خفض التصعيد الشامل.
وتوضح خارطة الأحداث الراهنة أن الهدوء المؤقت في الأجواء الإيرانية ليس صك أمان، بل هو «استراحة محارب» فرضتها حسابات ترامب الدبلوماسية واختبار مدى جدية الوساطة العُمانية. ومع بقاء خيارات واشنطن العسكرية جاهزة للتنفيذ فوراً، وإصرار «سنتكوم» على إغلاق الموانئ الإيرانية بحرياً، تظل المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تفضي مشاورات مسقط إلى اتفاق شامل يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، أو تنزلق الجبهات نحو «الهجوم الواسع» الذي توعد به البيت الأبيض وتتحسب له الملاجئ الإسرائيلية المحصنة.

