هناك لحظات في تاريخ الدول تتبدل فيها الأولويات. فما كان يُعدّ أمس أحد ملفات الأزمة، يصبح اليوم الملف الذي تتوقف عليه بقية الملفات الأخرى. وهذا، على الأرجح، هو ما يعيشه لبنان في هذه المرحلة.
لسنوات طويلة، انقسم اللبنانيون حول قضية السلاح خارج الدولة. رأى فيه فريق ضمانة في مواجهة إسرائيل، فيما اعتبره فريق آخر سببًا لاختلال التوازن الداخلي وتقويض سيادة الدولة. وبين هذين الموقفين، استمر لبنان في إدارة تناقضاته، وحافظ، رغم الحروب والأزمات، على حد أدنى من عمل مؤسساته، وعلى قدر من الدعم العربي والدولي.
أما اليوم، فقد تبدلت الصورة بالكامل
لم يعد لبنان يواجه أزمة سياسية أو اقتصادية أو مالية منفصلة، بل أزمة تتعلق بقدرة الدولة نفسها على أداء وظائفها. فمنذ الانهيار المالي عام 2019، الذي وصفه البنك الدولي بأنه من بين أشد ثلاث أزمات اقتصادية ومالية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، انكمش الاقتصاد اللبناني بأكثر من نصف حجمه تقريبًا، وانهارت العملة، وتراجعت الخدمات، واتسعت رقعة الفقر والهجرة.
ثم جاءت حرب إسناد غزة، وما تلاها من انخراط في المواجهة الإقليمية، لتضيف دمارًا واسعًا في الجنوب ومناطق أخرى، وتفتح مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن السابق.
لم يعد السؤال فقط كيف يخرج لبنان من أزمته الاقتصادية، أو كيف يعيد إعمار ما دمرته الحروب، أو كيف يستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي. فهذه الملفات أصبحت مرتبطة بسؤال واحد يسبقها جميعًا :
من يحتكر قرار الحرب والسلم في لبنان؟
لقد تغيرت المنطقة خلال سنوات قليلة. تبدلت موازين القوى، وتغيرت أولويات معظم الدول العربية نحو التنمية والاستقرار، فيما أصبحت الدول المانحة والمجتمع الدولي أكثر تشددًا في ربط الدعم بوجود دولة قادرة على فرض التزاماتها.
في المقابل، بقي لبنان يتعامل مع الملف الأمني بالمفاهيم التي سادت بعد حرب تموز 2006، بينما تغيرت البيئة الإقليمية والدولية التي سمحت باستمرار تلك المعادلة.
من هنا، لم يعد النقاش يدور فقط حول تاريخ السلاح أو دوره أو شرعيته، بل حول قدرة الدولة اللبنانية على أن تكون المرجعية الوحيدة في قرار استخدام القوة داخل أراضيها.
فالانسحاب الإسرائيلي أصبح مرتبطًا بترتيبات أمنية جديدة، وإعادة الإعمار تحتاج إلى ضمانات تمنع تكرار الحرب، والاستثمارات تحتاج إلى بيئة مستقرة، والمساعدات تحتاج إلى دولة قادرة على التنفيذ.
وبذلك، انتقل ملف السلاح من كونه أحد عناصر الخلاف السياسي الداخلي إلى كونه القضية التي تتوقف عليها معظم الاستحقاقات الوطنية الأخرى.
السابع من أكتوبر… نقطة التحول الكبرى
يصعب فهم التحولات الحالية في لبنان من دون التوقف عند السابع من أكتوبر 2023، باعتباره نقطة تحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
فقد رأت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن فرضية الردع والاحتواء التي حكمت سياساتها لسنوات لم تعد كافية، لتحل محلها مقاربة تقوم على منع تشكل أي تهديد عسكري منظم على الحدود قبل أن يتحول إلى خطر مباشر.
وانعكس ذلك على الجبهة اللبنانية. فلم تعد إسرائيل ترى أن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب تشكل ضمانة كافية لأمنها، بل أصبحت تربط أي ترتيبات مستقبلية بمنع إعادة بناء قدرات عسكرية تهدد حدودها الشمالية.
قد يرفض اللبنانيون هذا المنطق أو يعتبرونه غير عادل، لكن لا يمكن تجاهل أنه أصبح عنصرًا أساسيًا في الحسابات الإسرائيلية، وأنه سيؤثر في أي مفاوضات تتعلق بالحدود الجنوبية أو تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
إن تجاهل هذا التحول لا يلغيه، بل يجعل لبنان يتعامل مع واقع جديد بأدوات قديمة.
ميزان القوى الجديد… عندما تغيرت الوقائع
في العلاقات الدولية، لا تكفي عدالة القضية وحدها، بل تؤثر أيضًا موازين القوى. وقد كشفت الحرب الأخيرة حجم التحول الذي شهدته القدرات العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، سواء في مجال الاستخبارات، أو الطائرات المسيّرة، أو الحرب الإلكترونية، أو القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة.
ولا يعني ذلك تبرير السياسات الإسرائيلية، بل توصيف واقع استراتيجي جديد بات لبنان مضطرًا إلى التعامل معه.
فأي دولة مسؤولة تبني سياساتها انطلاقًا من موازين القوى القائمة، لا من موازين القوى التي تتمنى قيامها.
في عام 2006، خرج لبنان من الحرب مثقلًا بالخسائر، لكنه كان يمتلك اقتصادًا أكثر قدرة على التعافي، وقطاعًا مصرفيًا فاعلًا، وعملة مستقرة نسبيًا، كما حظي بدعم عربي ودولي واسع لإعادة الإعمار.
أما اليوم، فالوضع مختلف جذريًا. فقد انهارت المنظومة المالية، وتراجعت قدرة الدولة، وفقد الاقتصاد جزءًا كبيرًا من حجمه، وأصبح لبنان أقل قدرة بكثير على تحمل حرب جديدة.
المسألة لم تعد فقط كلفة الحرب العسكرية، بل قدرة الدولة اللبنانية على البقاء بعدها.
الأمن أصبح شرطًا للإصلاح
قبل سنوات، كان المجتمع الدولي يركز في تعامله مع لبنان على الإصلاحات المالية والإدارية، ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة الاقتصاد.
أما اليوم، فقد أصبح عنصر جديد حاضرًا في معظم المقاربات : قيام دولة تحتكر وحدها القرار الأمني والعسكري.
فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، وإعادة الإعمار تحتاج إلى ضمانات، والمؤسسات المالية الدولية تحتاج إلى دولة تستطيع تنفيذ التزاماتها.
ولهذا، لم يعد الأمن نتيجة للإصلاح فقط، بل أصبح أحد شروطه الأساسية.
ومن هنا، أصبحت قضية السلاح مرتبطة مباشرة بالاقتصاد والتنمية، لأن أي مشروع إنقاذ سيبقى هشًا إذا بقي احتمال اندلاع حرب واسعة قائمًا في أي لحظة.
اتفاق الإطار… من المبدأ إلى التنفيذ
جاء اتفاق الإطار ليعكس هذا التحول، لا ليصنعه.
فقد أعاد التأكيد على مبدأ أساسي : أن الدولة اللبنانية يجب أن تكون صاحبة المسؤولية الحصرية عن الأمن واستخدام القوة، وأن وجود جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة يمثل عقبة أمام استعادة السيادة الكاملة.
كما أكد على مبدأ أن “تقتصر القوات المصرح لها بحمل السلاح على القوات المسلحة اللبنانية”، باعتبار ذلك جوهر مفهوم الدولة القادرة على فرض سلطتها.
ونقل الاتفاق النقاش من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى التنفيذ، عبر ربط الترتيبات الأمنية بآليات تحقق ومتابعة، وربط التقدم في الملفات الأخرى بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها.
وهنا تكمن أهمية هذا التحول. ففي السابق، كانت حصرية السلاح تُطرح غالبًا كهدف سياسي طويل الأمد. أما اليوم، فقد أصبحت جزءًا من معادلة عملية تشمل وقف الأعمال العدائية، وترتيبات الحدود، والانسحاب، وإعادة الإعمار.
وبذلك لم تعد القضية مجرد خلاف لبناني داخلي، بل أصبحت نقطة تقاطع بين مصلحة لبنان في استعادة دولته، ومتطلبات المجتمع الدولي، وحسابات الأمن الإقليمي.
لم يعد مطلبًا إسرائيليًا فقط
لعل أبرز ما تغير خلال المرحلة الأخيرة هو أن حصرية السلاح لم تعد تُطرح باعتبارها مطلبًا أمنيًا إسرائيليًا فقط.
فالدول العربية التي تربط دعم لبنان بقيام دولة قادرة على بسط سلطتها، والمؤسسات المالية الدولية التي تشترط بيئة مستقرة لتنفيذ برامج الإصلاح، والدول المانحة التي تحتاج إلى ضمانات قبل تمويل إعادة الإعمار، أصبحت جميعها تنظر إلى احتكار الدولة للسلاح باعتباره شرطًا للاستقرار، وليس مجرد خيار سياسي.
وبذلك، أصبحت حصرية السلاح نقطة التقاء بين متطلبات الأمن، وشروط التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، واستعادة ثقة المستثمرين.
إعادة الإعمار… لن تتكرر تجربة 2006
بعد حرب تموز 2006، تدفقت مساعدات عربية ودولية واسعة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. أما اليوم، فإن الظروف مختلفة جذريًا.
فالدمار أكبر، والدولة اللبنانية أضعف، والاقتصاد أكثر هشاشة، والدول المانحة أكثر تشددًا في ربط التمويل بضمانات سياسية وأمنية.
لم يعد أحد مستعدًا لإنفاق مليارات الدولارات لإعادة بناء ما قد يتعرض للتدمير مجددًا بعد سنوات قليلة. لذلك، أصبحت الضمانات الأمنية جزءًا أساسيًا من أي مشروع جدي لإعادة الإعمار، إلى جانب الإصلاحات المالية والإدارية.
وهكذا، لم يعد ملف السلاح منفصلًا عن الاقتصاد أو عن مستقبل العلاقات العربية والدولية، بل أصبح جزءًا من المعادلة التي تحدد قدرة لبنان على النهوض.
لبنان لا يحتمل حربًا جديدة
لم يعد السؤال اليوم من سينتصر في حرب جديدة، بل هل يستطيع لبنان أصلًا تحمل نتائجها.
فالبلد الذي يعاني منذ عام 2019 من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية عالميًا، فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الصمود. الدولة ضعفت، والخدمات تراجعت، والهجرة استنزفت شريحة واسعة من الكفاءات.
كما أن لبنان يواجه تحديات إضافية تتعلق باستعادة الثقة المالية، وإعادة بناء علاقاته مع الأسواق الدولية، والخروج من تداعيات إدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
وفي مثل هذا الواقع، يصبح الاستقرار الأمني شرطًا لأي تعافٍ اقتصادي. فلا استثمار من دون ثقة، ولا إعادة إعمار من دون ضمانات، ولا برنامج إنقاذ طويل الأمد من دون دولة قادرة على التحكم بقرارها الأمني.
إن استمرار الوضع القائم لم يعد يعني فقط تأجيل الحل، بل يعني استمرار الاستنزاف وتعميق الأزمة.
دولة مستقرة… وعلاقات مستقرة مع سوريا
لا تقتصر أهمية استعادة الدولة لاحتكار السلاح على العلاقة مع إسرائيل أو المجتمع الدولي، بل تمتد أيضًا إلى مستقبل العلاقات اللبنانية ـ السورية.
فالمرحلة الجديدة في المنطقة تتجه نحو ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، وضبط الحدود، وتقديم المصالح الاقتصادية على منطق الصراعات المفتوحة.
ومن مصلحة لبنان وسوريا معًا أن تقوم العلاقة بينهما على الاحترام المتبادل للسيادة والتعاون، لا على استخدام أراضي أي منهما ساحة لصراعات الآخرين.
فلبنان المستقر لا يشكل تهديدًا لسوريا، كما أن سوريا المستقرة تشكل عمقًا طبيعيًا للبنان.
ولا يمكن بناء هذه العلاقة المتوازنة إلا بوجود دولتين قادرتين على ضبط حدودهما واحتكار قرارهما الأمني.
من مطلب سياسي إلى ضرورة وطنية
قد يختلف اللبنانيون حول تقييم تجربة المقاومة، أو حول مسؤولية الأطراف المختلفة عن الحروب التي شهدها لبنان. لكن ما يصعب تجاهله هو أن البيئة التي سمحت باستمرار المعادلات السابقة قد تغيرت.
لقد تغيرت العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وتغيرت أولويات الدول العربية التي باتت تركز على الاستقرار والتنمية.
وأصبح المجتمع الدولي أكثر تشددًا في ربط المساعدات بالإصلاحات وقيام دولة قادرة على تنفيذ التزاماتها.
كما أن لبنان نفسه لم يعد يملك القدرة الاقتصادية والسياسية التي تسمح له بإدارة أزمات مفتوحة كما كان يفعل سابقًا.
من هنا، لم تعد حصرية السلاح قضية دستورية أو سياسية فقط، بل أصبحت قضية مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها.
فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تجد نفسها عاجزة عن حماية مواطنيها، أو جذب الاستثمارات، أو إعادة الإعمار، أو استعادة ثقة العالم بها.
ولا يعني ذلك أن نزع السلاح وحده سيحل جميع أزمات لبنان. فالفساد، والطائفية السياسية، وسوء الإدارة، وغياب الإصلاحات البنيوية، كلها عوامل أساسية في الأزمة.
لكن التجربة أثبتت أيضًا أن أي مشروع إصلاحي سيبقى هشًا إذا بقي قرار استخدام القوة خارج مؤسسات الدولة.
لقد دخل لبنان مرحلة جديدة
لم يعد السؤال كيف يمكن إدارة وجود السلاح خارج الدولة، بل كيف يمكن بناء دولة قادرة على احتكار قرارها. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الجمهورية اللبنانية.
إن نزع السلاح ليس نهاية الطريق، بل بدايته. وليس هدفًا قائمًا بذاته، بل شرطًا يفتح الباب أمام بقية الاستحقاقات: استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، واستعادة الثقة العربية والدولية، وإطلاق الإصلاح الاقتصادي، وبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
ولهذا، لم يعد السؤال اليوم: هل نزع السلاح ضرورة؟ بل أصبح :
هل يستطيع لبنان أن ينهض من دون أن تستعيد الدولة احتكارها الكامل للقرار العسكري والأمني؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة، والذي سيتحدد على أساسه شكل لبنان ومكانته ومستقبله.

