زوطر الغربية تختبر الدولة..هل تنجح «المناطق التجريبية» حيث فشل السلاح؟

نواف سلام

مع بدء انتشار الجيش اللبناني في بلدة زوطر الغربية، في قضاء النبطية، دخل مشروع “المناطق التجريبية” مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد أشهر من النقاشات السياسية والأمنية التي رافقت صيغة الإطار اللبنانية – الإسرائيلية. وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع وجود رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في واشنطن، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مشهد يعكس الترابط بين المسار الدبلوماسي والتحرك الميداني في الجنوب.

ولم يكن اختيار زوطر الغربية، إلى جانب بلدتي فرون وصريفا، عشوائياً، بل يمثل أول اختبار عملي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة حضورها في المناطق التي عانت طويلاً من الحرب والاحتلال والتجاذبات الأمنية، تمهيداً لتوسيع التجربة إلى بلدات أخرى إذا ما نجحت المرحلة الأولى.

هدف الخطة… إعادة الحياة لا مجرد الانتشار

يرى العميد المتقاعد محمد سبيتي أن مشروع “المناطق التجريبية” يتجاوز مجرد انتشار الجيش اللبناني، إذ يهدف أساساً إلى إعادة هذه المناطق إلى الحياة الطبيعية وإعادة السكان إليها.

ويشير إلى أن بلدة زوطر الغربية، بغض النظر عن وضعها الميداني الحالي، تبقى منطقة “ساقطة عسكرياً” نتيجة السيطرة الإسرائيلية الجوية والقدرة على التدخل البري متى شاءت إسرائيل، ما يجعل الهدف الحقيقي للمشروع هو إنهاء هذه السيطرة الفعلية، وتحويل البلدة إلى منطقة آمنة وقابلة للحياة.

وبحسب سبيتي، فإن نجاح المشروع سيقاس بمدى قدرة الدولة على توفير بيئة مستقرة تسمح بعودة الأهالي، وليس فقط برفع العلم اللبناني أو انتشار الوحدات العسكرية.

العميد سبيتي: مشروع “المناطق التجريبية” يتجاوز مجرد انتشار الجيش اللبناني، إذ يهدف أساساً إلى إعادة هذه المناطق إلى الحياة الطبيعية وإعادة السكان إليها.

عقبتان أمام النجاح

لكن الطريق أمام الخطة، وفق قراءة العميد سبيتي، ليس مفروشاً بالنجاح، بل يواجه تحديين أساسيين.

العائق الأول يتمثل في السياسة الإسرائيلية، التي قد تلجأ إلى اتهام حزب الله بمحاولة إعادة بناء قواعد أو بنى عسكرية داخل هذه المناطق، حتى من دون تقديم أدلة واضحة، بما يبرر استمرار الضغط العسكري أو تعطيل عملية الانسحاب الكامل.

أما العائق الثاني، فيرتبط بسلوك حزب الله نفسه. إذ يتوقع سبيتي أن يعود عدد من عناصر الحزب إلى البلدات مع الأهالي، وأن يسعى، بالتنسيق مع إيران، إلى عرقلة نجاح المشروع التجريبي، انسجاماً مع موقفه السياسي المعلن الرافض لخطة “المناطق التجريبية”، باعتبارها مدخلاً لتكريس واقع جديد في الجنوب لا ينسجم مع رؤيته.

ويضيف أن نجاح الدولة لن يكون مرهوناً فقط بالتفاهمات الدولية، بل بقدرتها على فرض قرارها السيادي على الأرض، وإثبات أن المرجعية الأمنية أصبحت للدولة وحدها.

المناطق التجريبية لن تنجح إذا بقيت مجرد تفاهم أمني مؤقت، بل يجب أن تتحول إلى نموذج دائم لاستعادة السيادة وبسط سلطة المؤسسات الشرعية

الدولة تعلن العودة… ولكن

حملت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى زوطر الغربية بعداً سياسياً واضحاً، إذ شكلت إعلاناً رمزياً عن عودة الدولة اللبنانية إلى المناطق التي كانت حتى وقت قريب خارج قدرتها الفعلية على الإدارة الكاملة.

غير أن هذه العودة، بحسب مراقبين، تحتاج إلى ما هو أكثر من الرمزية، فهي تتطلب استمرارية في الانتشار، وقدرة على حماية السكان، ومنع أي طرف من فرض وقائع موازية لسلطة الدولة.

فالمناطق التجريبية لن تنجح إذا بقيت مجرد تفاهم أمني مؤقت، بل يجب أن تتحول إلى نموذج دائم لاستعادة السيادة وبسط سلطة المؤسسات الشرعية.

واشنطن… دعم للجيش مقابل مسؤولية أكبر

في موازاة التطورات الميدانية، حملت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن رسائل مباشرة تتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية.

فالرئيس اللبناني شدد، خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أن نجاح أي خطة في الجنوب يتطلب تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتسليحه وتجهيزه، حتى يتمكن من تنفيذ المهام المطلوبة منه.

وفي المقابل، أعلنت الإدارة الأميركية استعدادها لدعم الجيش اللبناني، في إشارة إلى أن واشنطن ترى في المؤسسة العسكرية الركيزة الأساسية لأي ترتيبات أمنية مقبلة في الجنوب.

ويعكس هذا الموقف انتقال الاهتمام الدولي من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى الاستثمار في بناء قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالأرض وإدارتها.

الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد

ويرى العميد سبيتي انه رغم أهمية انطلاق المشروع، يرى مراقبون أن الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد. فنجاح “المناطق التجريبية” لن يقاس فقط بانتشار الجيش أو إزالة الألغام وفتح الطرقات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ القرار المناسب عندما تواجه أول اختبار أمني أو سياسي.

وهنا يطرح سبيتي السؤال الذي يختصر المرحلة المقبلة: هل ستتخذ الدولة والجيش القرار المناسب عند الحاجة؟

فهذا السؤال لا يتعلق بزوطر وحدها، بل بكل الجنوب اللبناني. إذ إن نجاح التجربة سيعني فتح الباب أمام استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وعودة آلاف الأهالي إلى قراهم، وإطلاق مسار إعادة الإعمار.

أما فشلها، فسيعيد لبنان إلى دوامة الشكوك المتبادلة، ويمنح كل طرف ذريعة للعودة إلى منطق القوة، بدل منطق الدولة.

وبهذا، أصبح جليّا بالنهاية ان زوطر الغربية ليست مجرد بلدة بدأت فيها تجربة أمنية جديدة، بل أصبحت عنواناً لأول امتحان حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة الجنوب، وترجمة الدعم الدولي إلى سيادة فعلية على الأرض.

السابق
من اللوح التقليدي إلى الشاشة الذكية: كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي صياغة التعليم؟
التالي
بالفيديو: طائرات مسيّرة تستهدف منفذ العبدلي الحدودي في الكويت.. إليكم ما حصل