يواجه الاقتصاد الإيراني موجة عاتية من الأزمات المركبة التي تضرب استقراره المالي والإنتاجي في آن واحد، فبالتزامن مع استئناف التوترات العسكرية الحادة مع الولايات المتحدة الأميركية وإلغاء مفاعيل التهدئة، سجلت أسعار العملات الأجنبية في السوق الحرة الإيرانية قفزات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت معها الأرقام القياسية السابقة، وسط شلل شبه تام يصيب القطاع الصناعي جراء تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي والمياه.
سوق الصرف والذهب: أرقام قياسية وتآكل مستمر للعملة
أدت الضغوط العسكرية والدبلوماسية الأخيرة إلى هبوط حاد في قيمة التومان الإيراني لتسجل الأسواق الأرقام التالية:
- الدولار الأميركي: قفز سعر الدولار يوم الجمعة 17 تموز يوليو إلى مستوى قياسي بلغ 191,800 تومان، قبل أن يستقر عند حدود 191,000 تومان محققاً زيادة بنسبة 1.4 في المئة مقارنة باليوم السابق، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في 4 أيار مايو الفائت عند 190,000 تومان.
- العملات الأوروبية: تخطى سعر اليورو حاجز 219,000 تومان، فيما تجاوز الجنيه الإسترليني عتبة 259,000 تومان.
- سوق الذهب: بلغت القطعة الذهبية الجديدة المعروفة باسم «إمامي» 185 مليون تومان، ونصف القطعة 96 مليون تومان، والربع 55 مليون تومان، والقطعة الصغيرة 28 مليون تومان.
ويعزو الخبراء هذا التراجع المستمر إلى مزيج من سوء الإدارة، والفساد البنيوي، والسياسة الخارجية المتوترة، فضلاً عن انهيار ثقة المستثمرين والقيود المالية الصارمة الناجمة عن العقوبات الدولية.
العودة إلى المربع الأول: تهاوي «تفاهم إسلام آباد» والحصار البحري
يرتبط هذا التدهور المالي المباشر بانتكاسة المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن، فبعد أن ساهم التوصل إلى تفاهم أولي لإنهاء الحرب في تراجع الدولار إلى 153,000 تومان في 16 حزيران يونيو الماضي، أعاد الحرس الثوري الإيراني خلط الأوراق عبر تنفيذ هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز.
وجاء الرد الأميركي سريعاً وحاسماً على ثلاثة مستويات:
- إعلان ترامب: اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 8 تموز يوليو الجاري الهجمات انتهاكاً صارخاً لـ «تفاهم إسلام آباد»، معلناً بشكل رسمي انتهاء مفاعيل وقف إطلاق النار مع إيران.
- إلغاء الإعفاءات النفطية: ألغت وزارة الخزانة الأميركية في 7 تموز يوليو الترخيص المؤقت الذي كان يستثني صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية من العقوبات حتى 21 آب أغسطس المقبل، ومنحت الشركات مهلة 10 أيام فقط لإنهاء صفقاتها الجارية.
- الحصار البحري: استأنفت القوات الأميركية اعتباراً من مساء 14 تموز يوليو فرض الحصار البحري الكامل على الموانئ الإيرانية، مما قطع شريان الإمداد الخارجي وعمق الغموض المحيط بالمستقبل الاقتصادي للبلاد.
أزمة الطاقة: خسائر فلكية وتهديد للإنتاج الوطني
إلى جانب الحصار الخارجي، يعيش الداخل الإيراني أزمة طاقة خانقة، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الصناعة والمناجم والتجارة عزت الله زارعي أن خسائر الإيرادات التي تكبدها القطاع الصناعي نتيجة انقطاع الكهرباء ارتفعت بشكل مرعب من 300 ألف مليار تومان في العام المالي الماضي إلى نحو 400 ألف مليار تومان في العام الحالي (2025-2026).
ونقلت وكالة «إيلنا» عن زارعي قوله إن الأزمة ضربت المصانع بشكل غير متوازن، حيث كانت الصناعات ذات الإنتاج المستمر هي الأكثر تضرراً، مشيراً إلى أن المصانع في المدن الصناعية باتت تواجه انقطاعاً دورياً للكهرباء بمعدل يومين في الأسبوع، وحذرت صحيفة «اطلاعات» الإيرانية في 15 تموز يوليو من أن هذا القطع يمثل «إجراءً مناهضاً للإنتاج الوطني» وسيتسبب في موجة بطالة واسعة، داعية لتوزيع العجز عادلاً بين القطاعات السكنية والتجارية.
من جهته، كشف رئيس مجلس إدارة منظمة إيميدرو محمد مسعود سميعي نجاد أن سعر الكهرباء المخصصة للمصانع في إيران أغلى بنحو 15 مرة من الكهرباء المنزلية، معتبراً أن إجبار الوحدات الصناعية على بناء محطات كهرباء خاصة بها يهدد قدرتها التنافسية وبقاءها.
كواليس العجز وعلاقته برحيل خامنئي
تحدث عضو نقابة صناعة الكهرباء محمود حكيمي عن أسباب الأزمة البنيوية، حاصراً إياها في الاقتصاد الموجه، والتسعير غير الواقعي، وفشل الخطط التنموية في إضافة 5 آلاف ميغاواط سنوياً للشبكة، وانتقد حكيمي استمرار منح الغاز المدعوم لمحطات قديمة لا تتجاوز كفاءتها 30 في المئة، فضلاً عن تفشي عمليات التعدين غير القانوني للعملات المشفرة باستخدام الطاقة المدعومة.
توقيت الانقطاعات وتأثيرها المعيشي:
نقلت شبكة «إيران إنترناشيونال» عن مصادر ومتابعين ميدانيين أن الموجة الأحدث من انقطاعات الكهرباء غير المبرمجة بدأت في عدة مدن إيرانية مباشرة بعد انتهاء مراسم دفن المرشد الإيراني علي خامنئي، وتزامنت هذه الانقطاعات الحادة للكهرباء والمياه مع ذروة حرارة فصل الصيف، مما أدى إلى شلل كامل في حياة المواطنين اليومية وأعمالهم وسط تحذيرات من خبراء الاقتصاد بأن استمرار هذا الوضع سيقود البلاد نحو تضخم مفرط وركود إنتاجي غير مسبوق.

