ميسي الذي هزم أميركا… حين تصبح الموهبة سيرةً للنضج

لم أتأخر في الحديث عن ليونيل ميسي، وآثرت أن يخرج اسمه، ولو لفترة قصيرة، من قائمة “الترند” قبل المباراة النهائيّة، للحديث عن رجلٍ لا يزال يذهلنا وهو على أبواب العقد الرابع من العمر.
لطالما ارتبطت شخصية ليونيل ميسي في ذاكرتي بتلك المرّة الأولى التي سمعت فيها باسمه عام 2008 في ملعب المدرسة، ثم قرأت اسمه على القمصان الرياضيّة التي كان يرتديها أترابي في حصّة الرياضة، وعلى الأحذية التي كان بعضهم يخبرنا أنّها نسخ أصليّة من حذائه.
لم أنظر يومًا إلى ميسي على أنّه جزء من فريق، بل كان فريقًا كاملًا، أو شخصيّة تنمو بنموّ أفكارنا وسلوكيّاتنا.
يرتبط ميسي في ذاكرتي بالدراسة، وفي ذاكرتي الحاضرة بالنضج والموقف والتفكير.

ميسي
ميسي قائدًا للمنتخب الأرجنتيني منذ آب 2011

طفولة الجنوب… السياسة والجنس وكرة القدم

في المرحلة الابتدائيّة، كان الحديث السائد بين الطلاب المسجّلين في مدرستي، والذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، يدور حول كرة القدم، والجنس ــ بوصفه فعلًا يثير الضحك بمفردات مشتقّة من معجمه ــ وقطبين سياسيّين يحكمان الجنوب هما حركة أمل وحزب الله.
وكان أولاد هذه المرحلة يصطفّون، في كلّ موضوع، بين أمرين؛ ففي السياسة كان الحديث دائمًا عن مقارنة بين برّي ونصرالله، وفي الجنس كانت القهقهات تزداد كلّما تجرّأ أحدهم ونطق بعبارة أو فعل نابٍ، ثمّ عاجل بشرحه، أمّا في كرة القدم فقد كان ميسي ورونالدو يحتلّان تفكيرنا واهتمامنا، وقد نتحدّث عنهما طوال السنة الدراسيّة متناسين أيّ شيء آخر.

قد يكون هذا المونديال هو الأخير لميسي

بين ميسي ورونالدو… منافسة صنعتها الطفولة

كان الهاجس والهوس بليونيل ميسي قائمًا عند أغلب أطفال أترابي، في محاولة تقليده؛ إمّا في طريقة السير، أو الركض، أو اللعب. كنت أرى كثيرين يجيدون حفظ المهارات الكرويّة التي يقوم بها هذا الفتى الأرجنتيني العشريني، بقدر ما يجيدون حفظ درس الجغرافيا أو التربية المدنيّة.
ولأنّي لم أملك رفاهيّة السهر في تلك الفترة ــ حتّى في أيّام العطلة الأسبوعيّة ــ لمشاهدة مباريات برشلونة أو الكلاسيكو، فقد كنت أنتظر اليوم التالي فقط لأقرأ الجريدة التي كان أبي يحضرها أو التي كانت أمّي تتركها على الطاولة، لأعرف نتيجة المباراة. وكانت لهفتي تزداد حين أدخل إلى المدرسة وأبدأ بالإنصات إلى تحليلات المتحمّسين لميسي من جهة، وإلى رونالدو من جهة ثانية.
بخلاف اليوم، لم أكن أحبّ ليونيل ميسي. كان بالنسبة إليّ النسخة الأخرى من زميل دراسيّ، كان أهلي يضعونني، كلّما سألوني عن درجاته المدرسيّة، في منافسة أزليّة معه، سرعان ما تحوّلت إلى كراهية له، خصوصًا حين كانت درجاته في المواد الأدبيّة في المرحلة الثانويّة تعادل درجاتي أو تتجاوزها.
كان ميسي الذي قهر رونالدو في أكثر من كلاسيكو هو الصورة اللاتينيّة لذلك الزميل، فانحزت تلقائيًّا إلى رونالدو المقهور، الذي يحاول أن يغيّر الواقع وقد نجح مرّات عدّة في ذلك.
كان تشجيعي لرونالدو، المتقارب معه طولًا وانفعالًا، محاولة طفوليّة لتفجير كلّ ردّ فعل عنيف أو عدائي لم أستطع ممارسته، بشرعيّة أو بحقّ، تجاه زميل الدراسة الذي ظلمته في عدائي له بسبب اختبارات مدرسيّة نسيها هو وأنا، على الأرجح.
وانسحب تأثّري بمنافسة المهاجمين على حصص الرياضة، وعلى محاولتي إثبات نفسي مؤهّلًا للتقدّم إلى الصفوف الأماميّة، لكنّي لم أملك مهارات ميسي ورونالدو ولا القدرة على تقليدهما، فكنت أثبّت على خطّ الدفاع، لكوني عنيف التدخّل، كجينارو غاتوزو وسيرجيو راموس، كما ادّعى أصدقائي وقتها.

ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو

درس في القيادة والحلم

باتت النظرة إلى ميسي مختلفة الآن وأنا على أبواب الثلاثين، بعيدة من أيّ متعلّقات ماضويّة شخصيّة، بل صارت نوعًا من المتمّم النفسي المساعد على بناء الشخصيّة وتحصينها وجعلها أكثر صلابة وجديّة.
فميسي اليوم على أبواب الاعتزال، وما زال يتنقّل في بقع الملعب الأخضر بذهول، ويقود الفريق كأنّه مدرّبه الفعلي، ويحطّم الأرقام القياسيّة، كأنّه في ذروة إبداعه.
في مجمل مبارياته، وتحديدًا في مباراتي الأرجنتين مع مصر وإنجلترا، أثبت لنا ميسي أنّ المستحيل مجرّد خرافة تداولها الناس لتبرير كسلهم وتقاعسهم، وأنّ الحلم رديف الممكن.

ليونيل ميسي

ضدّ أدلجة ميسي

أنظر بسخرية إلى أدلجة ميسي، واستحضار صوره وهو يصلّي عند حائط المبكى في القدس، كأنّها وثائق تبرّر كراهية رجل يتكلّم طوال العام في الرياضة، ويمارس طقوسه كإنسان فيما تبقّى من هامش زمنيّ، أو إلى التصويب على الأرجنتين كفريق يعاني من أخطاء لدى عدد من لاعبيه.

ميسي يبكي أمام حائط البراق في 4 أغسطس/ آب 2013 (غيتي)

ميسي والشعر… دهشة لا تنتهي

ميسي والشعر قرينان؛ كلاهما يرتبط وجودهما بالدهشة، واللمعة، واللهفة، وكلاهما يسعى، عبر جملة عوامل، إلى التفوّق على نفسه.
لست خبيرًا رياضيًّا للحديث عن مناوراته وتسديداته وطريقة إدارته للعبة داخل الملعب، لكنّ الطابع القيادي الذي تمكّن منه جعلني أدرك أنّ الاستبداد قد يصبح أمنية إذا قُدِّم لنا بطريقة مقنعة، لا كما يحدث في السياسة.
ميسي هزم أميركا، وأقنعنا بالوقائع بأحاديّته، بينما الأخيرة فشلت، بالرغم من كلّ ترسانتها الرأسماليّة، فها هي دول مثل الصين وروسيا تسعى إلى كسر أحاديّتها، لكنّ ميسي عصيّ على الكسر. ميسي الذي، حين سقط على أرض الملعب أمام إنجلترا، انتفض زملاؤه كأنّ نجمةً سقطت عن ظهر السماء في ليلة حالكة.

ميسي برشلونة
ميسي قائدًا لنادي برشلونة الأسباني (2018-2021)

العودة إلى الذات

حبّ ميسي يحتاج إلى عاطفة، وتقديره والتلذّذ بموهبته يحتاجان إلى الكثير من الصمت والملاحظة والنضج.
ميسي يعلّمنا أنّ المستحيل خرافة، وأنّ الحلم رديف الممكن.
ميسي يخبرنا أنّ الشعر يولد في عمر التاسعة والثلاثين، وخارج الكراريس، وقد ينافي العروض والتفعيلة، ويضرب مجلّة «شعر» بعرض الحائط أيضًا.
ميسي يتكلّم بلغة واحدة نفهمها… لغة “الأنا” المعطّرة بالنرجس. هو نفسه الذي يقرّ بالليل والنهار، وبالحبّ والفراق. ميسي… هو العودة إلى الداخل، إلى الذات التي يراها الجميع، بينما الفرد متعامٍ عنها.

السابق
زعامة جديدة لبريطانيا: حزب العمال الحاكم يصادق على انتخاب آندي بورنهام رئيساً تمهيداً لتوليه رئاسة الوزراء
التالي
موجة رطوبة ساحلية قادمة.. كيف سيكون الطقس نهاية الأسبوع؟