نعم، لم يعد ملف التفاوض مع واشنطن مجرد مسألة خارجية، بل تحول إلى أعنف ساحة صراع داخل هرم السلطة الإيرانية؛ إذ يمس أي تراجع بالأسس الأيديولوجية لنظام الولي الفقيه، لتصبح القضية صراعاً مصيرياً يرتبط مباشرة بجوهر النظام ومستقبل بقائه.
الغضب الشعبي يتسع
لقد ملّت الشعوب الإيرانية من عنجهيات النظام وحروبه، على مدى سنوات طويلة، ومن هدر الثروات والمال، حتى بلغ الجوع مداه. ورغم القصف وأكاذيب النظام، يخرج الإيرانيون إلى الشوارع مطالبين بلقمة العيش وإنهاء الحروب التي دمرت البلاد والعباد.
وتعكس الاحتجاجات المتواصلة للمتقاعدين، والعمال، والشرائح المختلفة في الشارع الإيراني حالة الغضب الشعبي العارم ضد أولويات النظام.
ويطالب المتظاهرون بإنهاء السياسات التوسعية والحروب، ووضع حد للفقر المدقع والتضخم القياسي الذي أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وهدر ثروات البلاد.
أبرز ملامح الأزمة والانتفاضات
وتتلخص أبرز ملامح هذه الأزمة والانتفاضات الشعبية هنا وهناك في النقاط التالية:
المطالب المعيشية: غلاء الأسعار غير المسبوق، وتراجع العملة الوطنية، أجبر شرائح جديدة – كانت بعيدة نسبياً عن المواجهة – على الخروج إلى الشارع ومطالبة النظام بتوفير لقمة العيش.
السياسات الخارجية: ترى قطاعات واسعة من الشعب أن سياسات النظام، بإنفاق مليارات الدولارات على الصراعات الإقليمية والحروب، هي السبب الجذري لتدهور الاقتصاد الداخلي والمجاعة.
القمع الأمني: يواجه النظام هذه المطالب المشروعة بالقمع والاعتقالات، مستمراً في سياسة فرض سياساته عبر الخطابات الثورية، بدلاً من تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
أزمات معيشية تتفاقم
كل يوم يصدر بيان في إيران يحذر من انفجار الأوضاع الأمنية والمعيشية، حيث تُهدر حقوق الإنسان وثرواته أمامه على حروب عبثية لا تنتهي، في حين لا طعام على موائد المواطنين ولا ماء. والنظام الإيراني ينهب ثروات البلاد الطبيعية لبناء قواعد صاروخية محصنة ومجهزة، بينما يعاني الشعب الإيراني تحت وطأة الفقر، فتتجلى أولويات هذا النظام بوضوح.
قال مهدي عقبائي، عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ضد النظام، إن اتساع رقعة الاحتجاجات التي نظمها المتقاعدون والمنهوبة أموالهم في عدد من المدن الإيرانية يؤكد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الغضب الشعبي.
ولم تعد الاحتجاجات تقتصر على المطالب المعيشية، بل باتت تعكس رفضاً متزايداً لسياسات نظام ولاية الفقيه الذي أهدر ثروات البلاد في الحروب والمشاريع العسكرية، بينما ترك ملايين الإيرانيين يواجهون الفقر والتضخم وانهيار القدرة الشرائية.
وتؤكد هذه التصريحات دخول إيران مرحلة حرجة من الغليان الشعبي، حيث كشفت التقارير الإخبارية لمنظمة مجاهدي خلق، ومقالات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، عن سخط عارم بسبب انهيار القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
وأبرز أبعاد هذا الحراك هو التحول النوعي في المطالب، حيث لم يعد الغضب مقتصراً على تحسين الأوضاع المعيشية، بل تجاوزها نحو المطالبة بإسقاط سياسات النظام، ورفض استنزاف ثروات البلاد في الحروب والمشاريع العسكرية.
كما شملت توسعة الاحتجاجات المدن الرئيسية، مثل طهران وتبريز، وقادتها شرائح مجتمعية مختلفة، كالمتقاعدين، كما ذكرنا أعلاه، والعمال، والكوادر الطبية، والطلاب، والموظفين المنهوبة أموالهم.
كما تتزامن أزمة النظام الداخلية، مع الحراك الشعبي، مع تصدع سياسي وصراع غير مسبوق داخل أجنحة السلطة في طهران، وفقدان النظام لشرعيته وسط محاولاته الفاشلة للسيطرة عبر القمع.
مانيلي ميرخان: تراجع النفوذ الإقليمي
كتبت الباحثة والمستشارة الإيرانية في الشؤون الإيرانية والعلاقات الدولية، والناشطة السياسية البارزة، مانيلي ميرخان، التي تركز بشكل أساسي في كتاباتها على الشأن الإيراني:
كتبت عن تراجع نفوذ إيران الإقليمي، بعدما سقط نظام حليفها الأسد، وتحركت بيروت وبغداد ضد أذرعها المسلحة، في اختبار جديد لعقيدة “الدفاع الأمامي” التي بنت عليها طهران شبكة نفوذها خلال العقدين الماضيين.
وكتبت أن “الهلال” الذي بناه قاسم سليماني لم يكن مجرد تحالفات، بل منظومة دفاع أمامي لإبقاء حروب إيران خارج حدودها، إلا أن هذا البناء يواجه اليوم تراجعاً مع تغير موازين القوى داخل الدول المضيفة، أو الفاسدة، أو المغلوب على أمرها.
وكتبت أنه بعد خسارة طهران لبنان باتفاق مكتوب، وسوريا بسقوط النظام، أصبحت العراق الساحة الأكثر أهمية بالنسبة إليها، مستخدمة أدواتها المتبقية من الأضرحة، واقتصاد الزيارة، وطقوس العقيدة المشتركة.
لبنان والعراق… تضييق الخناق على الأذرع المسلحة
في لبنان، يكرّس الاتفاق الإطاري مساراً لنزع سلاح “حزب الله”، فيما تواجه بغداد الفصائل المسلحة بمهلة لتسليم السلاح. وتأتي المهلة مصحوبة ببرنامج لتسريح المقاتلين، يبادل السلاح بوظائف في مؤسسات الدولة.
نعم، تحركت بيروت ضد الوكيل المؤسس لـ”الحرس الثوري”، وتحركت بغداد ضد أذرعه في قمة هرم الدولة، وضد خزائنه. وحدث ذلك كله في الأسبوع نفسه.
وتدعو ميرخان علناً، مثلها مثل كل الأحرار والشرفاء من الشعوب الإيرانية، إلى سقوط نظام الملالي، وتأسيس إيران دولة ديمقراطية وعلمانية حرة ومستقلة.

