حين يحكم رجل الأعمال: بين وعد الكفاءة ومخاطر تضارب المصالح

الانهيار الاقتصادي

من صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017 وعودته إليه عام 2025، إلى تجربتي سيلفيو برلوسكوني في إيطاليا وثاكسين شيناواترا في تايلاند، برز نموذج سياسي متكرر: رجل أعمال ثري ينتقل من إدارة الشركات إلى قيادة الدولة، مقدمًا نفسه بديلًا من الطبقة السياسية التقليدية.

ورغم اختلاف هذه التجارب في ظروفها ونتائجها، فإنها تطرح سؤالًا مشتركًا: هل تمثل خبرة رجل الأعمال إضافة إلى العمل العام، أم أن الجمع بين الثروة الخاصة والسلطة السياسية ينطوي على مخاطر يصعب ضبطها؟

لا تقدم الأدبيات الأكاديمية جوابًا واحدًا. فخلفية المسؤول المهنية قد تؤثر في أولوياته وأسلوب إدارته، لكنها لا تحدد وحدها نجاحه أو نزاهته. ويبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة النظام السياسي على الفصل بين المصالح الاقتصادية الخاصة والصلاحيات العامة، وإخضاع الحاكم للقواعد نفسها التي يخضع لها الآخرون.

وعد المدير الذي ينجز

يستند الخطاب المؤيد لدخول رجال الأعمال إلى السياسة إلى مجموعة من الافتراضات الجذابة. فرجل الأعمال، وفق هذا الخطاب، اعتاد اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية وقياس النتائج، كما أنه أقل اعتمادًا على الرواتب والمنافع العامة، وأقل ارتباطًا بشبكات الأحزاب والمحاصصة. ومن هنا يظهر بوصفه «مديرًا» قادرًا على نقل ثقافة الإنجاز والكفاءة من القطاع الخاص إلى مؤسسات الدولة.

لكن هذه الأفكار تظل فرضيات سياسية، وليست حقائق مثبتة سلفًا. فالدولة ليست شركة كبيرة؛ إذ تختلف أهداف المؤسستين وطبيعة المسؤولية فيهما. تستطيع الشركة التركيز على الربح والنمو وخفض التكاليف، بينما يتعين على الدولة الموازنة بين الكفاءة والعدالة والحقوق الاجتماعية والأمن والمصلحة العامة.

كما أن نجاح المدير في شركته يعتمد غالبًا على قدرته على اتخاذ القرارات داخل هيكل إداري هرمي، في حين تقوم السياسة الديمقراطية على التفاوض وبناء التوافقات واحترام السلطات المستقلة. وقد تكون خبرة رجل الأعمال في قراءة الميزانيات وتنظيم فرق العمل ومتابعة المشروعات مفيدة، لكنها لا تعوض الحاجة إلى فهم القانون، والتعامل مع المصالح الاجتماعية المتعارضة، وقبول الرقابة البرلمانية والقضائية والإعلامية.

ماذا تقول الدراسات؟

لا تقدم الدراسات حكمًا موحدًا بشأن أثر وصول رجال الأعمال إلى السلطة؛ إذ تتباين النتائج تبعًا لنوع خبرتهم في القطاع الخاص، وطبيعة المناصب التي يتولونها، ومدى صلاحياتهم، وقوة المؤسسات الرقابية المحيطة بهم. ومن ثم، ينبغي التمييز بين تأثير خلفيتهم التجارية في توجهات السياسات العامة، وانعكاسها على كفاءة الأداء الحكومي، واحتمال توظيف المنصب لتحقيق منافع خاصة.

تشير مراجعة حديثة للأبحاث إلى أن السياسيين القادمين من عالم الأعمال يميلون، في عدد من البلدان والمستويات الحكومية، إلى دعم الإصلاحات الموجهة نحو السوق وإعطاء أولوية أكبر للاستثمار العام والطرق والنقل والبنية التحتية، مقابل ميل أقل إلى الإنفاق الاستهلاكي والتحويلات . لكن هذه النتائج تصف اختلافًا في ترتيب الأولويات، ولا تثبت أن هذه السياسات تحقق دائمًا نموًا أعلى أو عدالة اجتماعية أكبر.

كما لم تجد بعض الدراسات أثرًا واضحًا للخبرة التجارية في الإيرادات أو الديون أو البطالة أو مستوى الخدمات العامة. ويشير ذلك إلى أن طبيعة المنصب والقيود القانونية والبيروقراطية قد تكون أهم من السيرة المهنية للمسؤول وحدها.

في المقابل، تكشف دراسات أخرى عن مخاطر أكثر مباشرة. فقد ارتبط وصول رجال أعمال إلى مناصب منتخبة في روسيا بتحقيق شركاتهم مكاسب في الإيرادات والربحية، وعزت الدراسة ذلك خصوصًا إلى تحسن قدرتها على الوصول إلى الجهاز البيروقراطي. ولا يمكن تعميم الأرقام الروسية على الأنظمة الأخرى، لكنها تقدم دليلًا على أن المنصب العام قد يمنح قيمة اقتصادية خاصة عندما لا يكون الفصل بين المسؤول وشركته محكمًا.

لا تعني هذه النتائج أن كل رجل أعمال يستخدم السلطة لمصلحته، كما لا تثبت أن السياسات المؤيدة للسوق سيئة بالضرورة. لكنها تبين أن دخول رجال الأعمال إلى الحكم قد يغير أولويات الإنفاق والتشريع من دون أن يضمن تلقائيًا حكومة أصغر أو إدارة أكثر كفاءة.

الثروة لا تمنع تضارب المصالح

تقوم إحدى الحجج الشائعة لمصلحة رجل الأعمال السياسي على أن الثري أقل احتياجًا إلى استغلال المال العام. وربما يحد الاستقلال المالي من بعض صور الفساد المباشر، لكنه لا يلغي احتمال استخدام السلطة لحماية استثمارات قائمة، أو زيادة قيمتها، أو منح مزايا لشركاء المسؤول وأفراد أسرته.

بل إن اتساع المصالح التجارية قد يجعل تضارب المصالح أكثر تعقيدًا. فقرارات الضرائب والتراخيص والعقود الحكومية والتنظيم المالي والتجاري يمكن أن تؤثر مباشرة في شركات المسؤول، حتى من دون أن يتلقى رشوة أو يرتكب مخالفة قانونية صريحة.

ومن الضروري هنا التمييز بين تضارب المصالح والفساد. فتضارب المصالح لا يعني بالضرورة وقوع جريمة، بل وجود مصلحة خاصة يمكن أن تؤثر في حياد المسؤول، أو أن تثير شكًا معقولًا في استقلال قراره. ولهذا تتطلب إدارة هذه الحالات الإفصاح عن المصالح والأصول، والتنحي عن القرارات المرتبطة بها، وتقييد بعض الأنشطة، أو التخارج من الأصول المتعارضة عندما لا تكفي الإجراءات الأخرى.

من النفوذ المالي إلى أسر الدولة

لا يقتصر الخطر على استفادة المسؤول من قرار منفرد أو عقد حكومي، بل قد يتطور إلى ما تسميه أدبيات الاقتصاد السياسي «أسر الدولة». ويحدث ذلك عندما تصبح جماعة أو شبكة من المصالح قادرة على توجيه القوانين والسياسات والمؤسسات بعيدًا عن المصلحة العامة ونحو منفعتها الخاصة. ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قد يحدث هذا الاستحواذ عبر الرشوة، لكنه قد يتم أيضًا بوسائل أقل وضوحًا، مثل التمويل السياسي غير الشفاف والضغط المنظم والتحكم بالمعلومات والوصول المميز إلى صانعي القرار.

في هذه المرحلة، لا تسعى المصالح الاقتصادية إلى تجاوز القواعد القائمة فحسب، بل إلى المشاركة في صياغة «قواعد اللعبة» نفسها: القوانين واللوائح والتعيينات والعقود والامتيازات. وتظهر الخطورة عندما تستخدم المكاسب الاقتصادية لتمويل السلطة السياسية والإعلام المرتبط بها، ثم تستخدم السلطة المتجددة لتوسيع الامتيازات وإقصاء المنافسين.

ولا ينشأ هذا النمط لمجرد وصول رجل أعمال إلى الحكم؛ فقد تقوده أحزاب أو زعامات سياسية أو عسكرية لا تنتمي أصلًا إلى عالم الأعمال. لكن الجمع بين الثروة الواسعة والسلطة التنفيذية يرفع مستوى الخطر، لأن الفاعل نفسه يملك الموارد الاقتصادية والقدرة السياسية على التأثير في القواعد التي يفترض أن تضبطه.

إيطاليا: اختبار الإعلام والقضاء

تمثل تجربة سيلفيو برلوسكوني الحالة الأوروبية الأشهر في هذا المجال. فقد امتد حضوره في السياسة الإيطالية نحو عقدين، وتولى رئاسة الحكومة في فترات متقطعة، مع احتفاظه بارتباط وثيق بإمبراطورية تجارية وإعلامية كبيرة.

لم يدخل برلوسكوني السياسة بصفته رجل أعمال فقط، بل بصفته مالكًا لجزء أساسي من سوق التلفزيون الإيطالي. وقد عبّر مجلس أوروبا عن قلقه من تضارب المصالح الناتج من جمعه بين المنصب السياسي والسيطرة على وسائل إعلام خاصة، إلى جانب قدرته على التأثير في هيئة البث العامة. وأشار تقرير للجمعية البرلمانية للمجلس إلى أن «ميدياسيت» و«راي» كانتا تستحوذان معًا على نحو تسعين في المئة من جمهور التلفزيون الإيطالي.

وبذلك لم يكن تضارب المصالح مقتصرًا على العقود أو الأرباح، بل شمل المجال الذي تتشكل فيه صورة السياسي أمام الناخبين. وأصبح السؤال: كيف تستطيع وسائل الإعلام مراقبة رئيس حكومة يملك جزءًا كبيرًا منها، ويؤثر سياسيًا في الجزء العام المنافس؟

كما شهدت مرحلة برلوسكوني صراعات طويلة مع القضاء، وظهرت تسمية القوانين «المفصلة على المقاس» لوصف تشريعات اتهمها معارضوه بأنها صممت لمعالجة أوضاع قانونية مرتبطة به شخصيًا. ومع ذلك، استطاعت المؤسسات القضائية والدستورية مقاومة عدد من هذه التدابير أو الحد من أثرها. وتقدم إيطاليا، لذلك، مثالًا مزدوجًا: يستطيع النفوذ الاقتصادي والإعلامي الضغط على المؤسسات، لكن المؤسسات المستقلة تستطيع بدورها تقييده.

تايلاند: رأس المال والشعبوية والمؤسسة العسكرية

تقدم تجربة ثاكسين شيناواترا نموذجًا مختلفًا. فقد وصل رجل الاتصالات الثري إلى رئاسة الحكومة بدعم انتخابي واسع، خصوصًا بين الناخبين الريفيين والفئات الأقل دخلًا. وارتبطت شعبيته بسياسات اجتماعية ملموسة، من بينها توسيع التغطية الصحية وتقديم القروض إلى القرى، لا بقدرته المالية والإعلامية وحدها.

في الوقت نفسه، أثارت مصالح أسرته في قطاع الاتصالات اتهامات متكررة بتداخل الأعمال مع قرارات الحكومة. وكانت صفقة بيع شركة «شين كورب» العائلية عام 2006 من العوامل التي صعّدت الاحتجاجات ضده، وسط اتهامات بالفساد والمحسوبية وإساءة استخدام السلطة.

لكن الإطاحة به في انقلاب عسكري عام 2006 لا يمكن اعتبارها آلية ديمقراطية لمعالجة تضارب المصالح. فقد وصف باحثون الانقلاب بأنه انتكاسة كبيرة للديمقراطية التايلاندية، ضمن تاريخ طويل من تدخل الجيش والنخب التقليدية في تعطيل الحكومات المنتخبة. وهكذا تكشف التجربة خطرين متوازيين: خطر استغلال الزعيم المنتخب لموارده الاقتصادية والشعبية، وخطر استخدام اتهامات الفساد ذريعة لإلغاء العملية الديمقراطية بالقوة.

لبنان: حين يصبح التشابك بين المال والسياسة بنيويًا

تختلف الحالة اللبنانية عن النماذج التي يدخل فيها رجل أعمال منفرد إلى السلطة مقدمًا نفسه بديلًا من السياسيين. فالمسألة في لبنان لا تقتصر على انتقال رجال الأعمال من شركاتهم إلى المناصب العامة، بل تتعلق بتداخل أوسع بين النخب السياسية والاقتصادية والطائفية، بحيث تتقاطع المصالح الخاصة مع التشريع والمصارف والعقود العامة والإعلام وتقديم الخدمات.

وفي تقريره عن المالية العامة اللبنانية، استخدم البنك الدولي مفهوم استحواذ النخب على موارد الدولة لتحقيق مكاسب خاصة، وربط ذلك بإضعاف تقديم الخدمات العامة. ووفق التقرير، أتاح هذا الضعف توسع عقود ومصالح خاصة في قطاعات مثل استيراد الوقود والمولدات والنفايات والمدارس والمستشفيات، كما سمح للقوى الطائفية بتعزيز علاقتها بالمواطنين من خلال الحلول محل الدولة في تقديم بعض الخدمات.

لا يعني ذلك أن كل علاقة بين السياسة والأعمال في لبنان غير مشروعة، أو أن كل رجل أعمال يدخل العمل العام يسعى إلى تحقيق منفعة خاصة. لكن اتساع هذا التشابك يجعل تضارب المصالح خطرًا بنيويًا، لا مجرد انحراف فردي. فالمشكلة تبدأ حين يشارك مسؤول في وضع قواعد تمس قطاعًا يملك فيه مصالح، أو حين توجه العقود والتراخيص إلى شبكات مرتبطة بالقوى النافذة، أو حين تستخدم ملكية الإعلام لحماية المصالح السياسية والاقتصادية المتبادلة.

وقد أقر لبنان قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع رقم 189 عام 2020، كما أقر قانون الشراء العام رقم 244 عام 2021، الذي يتضمن قواعد للنزاهة والاستقلال والتنحي عند وجود تضارب في المصالح. إلا أن وجود النصوص لا يكفي وحده؛ إذ يبقى الاختبار في مدى الالتزام بالتصريح عن الأصول، وقدرة الهيئات الرقابية والقضاء والإدارة على تطبيق القواعد ونشر المعلومات ومحاسبة المخالفين.

وتوضح الحالة اللبنانية أن الخطر لا ينشأ فقط عندما يحكم رجل أعمال، بل عندما تتشابك النخب السياسية والاقتصادية إلى درجة يصعب معها الفصل بين القرار العام والمصلحة الخاصة، وتصبح الدولة ساحة لتبادل الحماية والامتيازات.

المؤسسات هي الفيصل

تساعد الأدبيات المؤسسية على تفسير اختلاف نتائج هذه التجارب. فحين تكون القواعد قادرة على إخضاع المسؤول للإفصاح والمحاسبة، ومنعه من التدخل في العقود والقرارات المتصلة بأعماله، تصبح مخاطر الجمع بين المال والسلطة أكثر قابلية للاحتواء. أما عندما تكون المؤسسات ضعيفة، فقد تتحول القوة الاقتصادية إلى وسيلة للسيطرة على التشريع والإدارة والإعلام، ويصبح المنصب العام امتدادًا للمشروع الخاص.

ولا ينبغي اختزال المؤسسات في القضاء وحده؛ فالقاضي يتدخل غالبًا بعد وقوع المخالفة أو الطعن في القرار، بينما تبدأ الوقاية قبل ذلك. وهي تشمل الإفصاح الدقيق عن الأصول والديون والشراكات، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات، والتخارج الفعلي من المصالح المتعارضة، والامتناع عن المشاركة في القرارات المرتبطة بها.

ويتطلب ذلك أيضًا برلمانًا قادرًا على الرقابة، وهيئات مستقلة للمنافسة والمشتريات والنزاهة، وقواعد شفافة لتمويل الانتخابات، وإعلامًا تعدديًا لا يملكه الحاكم ولا يخضع لنفوذه. فوجود قانون عام لمكافحة الفساد لا يكفي إذا كانت الثغرات تسمح للمسؤول باتخاذ قرارات تعود عليه بالنفع من دون مخالفة صريحة.

الخلاصة

ليس جميع رجال الأعمال متشابهين، كما أن الانتماء إلى حزب أو امتلاك خبرة سياسية لا يضمن النزاهة أو الكفاءة. ولا ينبغي أن تكون الثروة سببًا لمنع شخص من المشاركة في السياسة، مثلما لا ينبغي أن تصبح دليلًا تلقائيًا على الكفاءة والاستقلال.

لكن رجل الأعمال الكبير يدخل المجال العام حاملًا موارد لا يملكها معظم منافسيه: القدرة على تمويل حملته، وشبكة واسعة من العلاقات، وخبرة في التفاوض مع الدولة، وأحيانًا ملكية وسائل إعلام أو منصات اتصال. وقد تساعده هذه الموارد في المنافسة وتنفيذ برنامجه، لكنها قد تضعف أيضًا تكافؤ الفرص وتزيد صعوبة الفصل بين المصلحة العامة والخاصة.

لذلك لا تثبت التجارب المقارنة أن رجال الأعمال أكثر نجاحًا في الحكم، ولا أنهم أكثر فسادًا بالضرورة. والسؤال الأدق ليس ما إذا كان رجل الأعمال صالحًا للحكم، بل ما إذا كان يدخل الدولة بعد أن يفصل نفسه عن مصالحه التجارية، أم يدخل إليها حاملًا شركاته وشركاءه والتزاماته المالية.

عندما تكون المؤسسات قوية، يمكن أن تصبح خبرته موردًا في خدمة الدولة . وعندما تكون ضعيفة، قد تتحول الدولة نفسها إلى مورد في خدمة مصالح الحاكم.

المشكلة، إذن، ليست في أن يحكم رجل أعمال، بل في أن يحكم أي شخص من دون مؤسسات قادرة على مساءلته.

السابق
الكنيست الإسرائيلي يحل نفسه تمهيداً لانتخابات أكتوبر: سباق اللحظات الأخيرة للائتلاف وصراع البقاء لنتنياهو
التالي
جعجع يلوح باقتراح قانون لـ «تقصير ولاية المجلس النيابي»