ذاكرة الرغيف الراحل

الجنوب

ينهض صباح البلدة الجنوبية على معزوفة فطرية تشترك فيها أصوات الحساسين والبلابل مع وشوشات الطبيعة البكر، حيث كانت أسراب الدخان الأبيض الخفيف تنبعث من الطاقات والنوافذ كأنفاس البيوت الدافئة، حاملة معها عبق الخبز المرقوق الذي ينضج على وهج الساج ونار البلان. في ذلك الزمن الجميل، كانت الجدة تبدأ طقوسها منذ المساء، فتعجن بيديها المباركتين طحين الذرة المغمس بالحب والبركة، ثم تدثره بشرشف أبيض شفاف كأنه غيمة تحرس سر الوجود حتى يرفع الفجر آذانه. ومع أول خيوط الضياء، تبدأ الحركة الدؤوبة في وسط الدار؛ يعاد تنظيم حجارة الموقد التي تحمل الصاج المستدير بعناية، وتوقد نار البلان الدافئة لتبدأ حفلة الخبز اليومية التي تستمر حتى شروق الشمس. كان نتاج ذلك الجهد المبارك يتجاوز اثنتي عشرة “عدة” تفترش الشراشف البيضاء لتجف، قبل أن تُطوى بعناية فائقة وتُوزع حصص الأبناء في أكياس دافئة، بينما يُحفظ ما تبقى في أوعية الألومنيوم تحت الطاولة الخشبية التي تحمل الفراش المنسق والغطاء المطرز. ومع إشراق الضحى، كانت المهمة المقدسة تكتمل بنقل تلك الأرغفة الطازجة إلى منازل العائلة، لتستقبلها الوجوه ببسمة الشوق ولهفة اللقاء. كانت تلك الحركة الجماعية أشبه بنبض موحد يسري في عروق البلدة، حيث تنهمك النسوة جميعاً في إعداد المرقوق والبقعات والفطائر، في حين كان خبز الأفران وافداً نادراً يحمله معهم العمال العائدون في إجازاتهم الأسبوعية من بيروت، كتحفة من الترف والرفاهية العابرة.

لكن خطوط التاريخ لم تبقَ مستقيمة، إذ حملت سنوات العدوان والاجتياح في أواخر السبعينيات تحولات عميقة عصفت ببنية الحياة الريفية في الجنوب، فتبدلت المعالم وتغيرت أنماط العيش قسراً. ومع استمرار الضغوط والتهجير، بدأت صناعة الخبز المنزلي تنحسر تدريجياً، وحلت مكانها الأرغفة الجاهزة التي بدأت تغزو دكاكين البلدة. وحتى الفرن الصغير الوحيد الذي كان يعتمد على إبداع صبايا القرية في تزيين المناقيش بالزعتر والجبن والكشك، تحول مع مطلع التسعينيات إلى جزء من منظومة استهلاكية واسعة جعلت من الرغيف المرقوق سلعة نادرة تُحجز مسبقاً بعد أن كان رمزاً للاكتفاء الذاتي. ولم يقتصر هذا التحول على الخبز وحده، بل امتد ليلتهم عادات المونة الريفية وتفاصيل الحياة التعاونية، لتتحول القرى إلى أسواق مفتوحة تعج بالمخابز والمحال التجارية التي تبيع “المونة البلدية” المعلبة، في مشهد يمثل هزيمة واضحة للإنتاج الذاتي أمام زحف الاستهلاك المديني الحاد.

إن هذا التحول الاجتماعي يطرح أمامنا تساؤلاً جوهرياً حول مسار الهوية الريفية؛ فمن ناحية إيجابية، وفرت المدنية الحديثة والاعتماد على الخبز والمونة الجاهزة جهداً كبيراً ووفرت في الوقت والتدبير المنزلي، مفسحة المجال للتعليم والعمل الخارجي، إلا أنها في المقابل سلبت القرية روحها التشاركية وحولتها من وحدة إنتاجية متكاملة تسودها قيم العونة والترابط إلى مجتمعات استهلاكية تعاني من الفردية والتبعية للمنتج الجاهز. إن خسارة طقوس الرغيف ليست مجرد خسارة لقطعة خبز، بل هي خسارة لمنظومة قيمية كاملة كانت تجمع العائلة والجيران حول موقد واحد. ولعل السبيل لاستعادة وهج الحياة الريفية والمحافظة على هذا التراث الفذ لا يكمن في البكاء على الأطلال أو محاولة تجميد الزمن، بل في إحياء ثقافة الإنتاج المحلي وتوظيف الوعي الجماعي لإعادة الاعتبار للمنتج البلدي الأصيل. يمكن تحقيق ذلك من خلال دعم التعاونيات الإنتاجية التي تقودها نساء القرية، وتنظيم أسواق دورية للمنتجات التقليدية تعيد ربط الجيل الجديد بجذوره، والاحتفاء بهذه الحرف ليس كفلكلور جامد، بل كنمط حياة مستدام يحقق التوازن بين حداثة العصر وأصالة الهوية، لتظل نار الساج دافئة في قلوبنا وإن غابت عن دورنا.

السابق
صور مدينة تنتفض على الموت وتخلق من جديد