مفاوضات روما: واشنطن تختبر اتفاق الإطار..وبري يرفع «الفيتو» على المناطق التجريبية

المفاوضات

تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما مرحلة هي الأكثر حساسية منذ توقيع اتفاق الإطار في واشنطن، إذ لم يعد النقاش يدور حول المبادئ العامة، بل حول كيفية ترجمتها إلى وقائع ميدانية تبدأ بانسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق مرحلة جديدة من تثبيت وقف إطلاق النار. إلا أن هذا المسار يصطدم، في الداخل، باعتراضات يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” على فكرة “المناطق التجريبية”، باعتبارها، وفق رؤيتهما، مدخلاً لإطالة أمد الانسحاب وفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب.

وبينما تحاول واشنطن تثبيت فصل المسار اللبناني عن التطورات الإقليمية، تبدو جولة روما اختباراً مزدوجاً: اختباراً لمدى استعداد إسرائيل لتنفيذ أول انسحاب فعلي، واختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة استحقاق أمني وسيادي بعيداً من منطق المحاور.

الانسحاب من أول شبر.. أولوية لبنانية لا تنازل عنها

بحسب المعطيات التي رافقت الجولة السادسة من المفاوضات، دخل الوفد اللبناني إلى روما وهو يتمسك بمبدأ واضح: لا قيمة لأي آلية تنفيذية إذا لم تبدأ بانسحاب إسرائيلي من أرض لبنانية محتلة.

وتؤكد مصادر مواكبة أن بعبدا تعتبر تسجيل أول انسحاب إسرائيلي من “منطقة نموذجية” محتلة، المدخل الحقيقي لقياس جدية الاتفاق، وترفض أن تشمل المناطق التجريبية أراضي غير محتلة، لأن ذلك سيحوّل المشروع إلى مجرد ترتيبات أمنية داخلية، بدلاً من أن يكون خطوة لإنهاء الاحتلال.

وفي هذا الإطار، برزت معلومات عن استعداد إسرائيلي للانسحاب من منطقتين تجريبيتين، في مؤشر إلى أن المفاوضات انتقلت من مرحلة تبادل الأفكار إلى مناقشة تفاصيل التنفيذ.

كما أن تشكيل لجان تقنية وأمنية متخصصة لمواكبة تنفيذ الاتفاق يعكس توجهاً أميركياً لإقامة آلية متابعة دائمة، بما يمنع العودة إلى الفراغ الذي حكم تنفيذ القرار 1701 خلال السنوات الماضية.

بري يرفض “التجريبية” خشية إطالة الانسحاب

في المقابل، يواصل رئيس مجلس النواب نبيه بري معارضته لفكرة المناطق التجريبية، معتبراً أنها ستؤدي عملياً إلى تمديد الانسحاب الإسرائيلي لفترة قد تصل إلى سنتين، فضلاً عن أنها قد تضع الجيش اللبناني أمام تحديات أمنية داخلية لا تخدم سوى إسرائيل.

ولا يقتصر اعتراض بري على البعد الزمني، بل يمتد إلى البعد السياسي، إذ يرى أن اعتماد مناطق محددة كنموذج للتنفيذ قد يكرّس واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب، ويحوّل الانسحاب إلى عملية مجزأة تخضع لمعايير سياسية وأمنية متغيرة.

أما “حزب الله”، فيذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن اتفاق الإطار يخفي تنازلات لم يُطلع الرأي العام عليها، وأن السلطة اللبنانية تتعامل مع المفاوضات بمنطق تقديم التنازلات، لا استعادة الحقوق.

واشنطن تريد نجاحاً سريعاً والرهان على الجيش

المتابعة الأميركية المباشرة للمفاوضات تكشف أن واشنطن تعتبر نجاح المرحلة الأولى من الاتفاق أولوية سياسية وأمنية.

فالولايات المتحدة لا تبحث فقط عن تثبيت وقف إطلاق النار، بل عن بناء نموذج أمني جديد في الجنوب، يقوم على انتشار الجيش اللبناني بدلاً من أي قوة مسلحة أخرى، بما ينسجم مع رؤيتها لحصرية السلاح بيد الدولة.

ولهذا السبب، يبدو واضحاً أن الإدارة الأميركية مستعدة لإعادة المفاوضات إلى واشنطن إذا تعثرت في روما، في إشارة إلى أنها لن تسمح بسقوط الاتفاق في بداياته.

لبنان يحاول تثبيت استقلال مساره

بالتوازي مع مفاوضات روما، حملت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، المدينة للاعتداءات على المملكة العربية السعودية والأردن، رسالة سياسية تتجاوز بعدها التضامني.

فالسلطة اللبنانية تحاول تأكيد تموضعها ضمن سياسة عربية واضحة، وإظهار أن لبنان الرسمي لم يعد جزءاً من سياسة ربط الساحات التي حكمت المرحلة السابقة، بل يسعى إلى بناء علاقات مستقرة مع محيطه العربي، بالتوازي مع استكمال مسار التفاوض مع إسرائيل.

وهذا التزامن بين التفاوض جنوباً والانفتاح عربياً يعكس محاولة رسم صورة جديدة للدولة اللبنانية أمام المجتمعين العربي والدولي.

بداية التنفيذ لا نهاية التفاوض

ما يجري في العاصمة الإيطالية يتجاوز كونه جولة تفاوض تقنية، فهو يشكل أول اختبار فعلي لاتفاق الإطار، وأول محاولة لترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات ميدانية قابلة للحياة.

فإذا نجحت الجولة في تثبيت أول انسحاب إسرائيلي، ستكون قد دشنت مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة اللبنانية دورها الأمني في الجنوب، أما إذا اصطدمت بالخلافات الداخلية أو التردد الإسرائيلي، فإن الاتفاق سيبقى حبراً على ورق، وستعود المنطقة إلى دوامة التصعيد.

لذلك، تبدو روما اليوم أكثر من مجرد محطة تفاوضية؛ إنها امتحان لقدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الحلول، ولقدرة الدولة على فرض أولويتها السيادية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث لم يعد الوقت يسمح بإهدار الفرص أو بإعادة إنتاج معادلات أثبتت السنوات الماضية أنها لم تحقق للبنان سوى المزيد من الخسائر.

السابق
نتنياهو لإيران: أي هجوم سيُقابل بضربة حاسمة