أطلقت السلطات القضائية والرقابية في العراق استراتيجية شاملة ومزدوجة لمحاصرة شبكات الفساد المالي والإداري واستعادة الأموال المنهوبة؛ فبينما تحركت هيئة النزاهة الاتحادية دولياً عبر صياغة مذكرات تفاهم جديدة لاختراق جدار صمت الدول غير المتعاونة، أعلن مجلس القضاء الأعلى عن تفاهمات داخلية تقضي بمنح تسهيلات وتخفيف للإجراءات القانونية بحق المتهمين المستعدين لإعادة الأموال طوعاً.
حراك «النزاهة»: مذكرات دولية ومفاوضات بديلة مع الدول الحاضنة
أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، اليوم السبت، عن إعداد مسودة مذكرات تفاهم دولية تهدف إلى تسريع وتيرة استرداد الأموال المهرّبة والمتهمين الهاربين، معترفة بوجود عقبات قانونية وسياسية تضعها بعض العواصم.
وأوضح مدير عام دائرة الاسترداد في الهيئة، عباس متعب، في تصريح للوكالة الرسمية (واع)، أبعاد هذا التحرك:
- دول غير متعاونة: أشار متعب إلى وجود دول ترفض التعاون بملف استرداد أموال الفاسدين لأسباب خاصة بها (اقتصادية أو سياسية)، مقابل دول أخرى أبدت مرونة تنسيقية.
- العقبة القانونية ولجوء الفاسدين: بين أن القوانين الداخلية لبعض الدول لا تسمح باتخاذ إجراءات يطلبها العراق، لاسيما عندما تمنح الفاسد صفة “لاجئ”، أو لأغراض اقتصادية تتعلق بالاستفادة من الأموال المستثمرة لديها.
- المفاوضات البديلة: أكد متعب أن العراق بات يلجأ إلى “طريق المفاوضات” وتفعيل آليات قانونية بديلة مع تلك الدول لكسر الجمود وتحقيق خروقات في ملفات التسليم.
القضاء الأعلى: “التسوية مقابل التخفيف” والتحرك لإعادة نور زهير
في المقابل، كشف مجلس القضاء الأعلى عن حزمة إجراءات وتدابير جديدة تم التوصل إليها بالاتفاق مع رئيس الوزراء، تهدف إلى تفكيك القضايا الكبرى وحث المتهمين على التسوية المالية.
وتضمنت حزمة الإجراءات القضائية:
- تخفيف الأحكام طوعاً: اعتماد آلية تقضي بتخفيف الإجراءات القانونية والعقوبات بحق المتهمين بالفساد الذين يبادرون إلى إعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة طوعاً.
- ملاحقة “سرقة القرن”: أصدر المجلس أمراً رسمياً بالعمل على استعادة المتهم الرئيسي في قضية الأمانات الضريبية المعروفة بـ«سرقة القرن»، نور زهير، إلى العراق، عقب صدور حكم غيابي بحقه يقضي بسجنه 10 سنوات، مؤكداً في الوقت ذاته استرداد ما يعادل 280 مليون دولار حتى الآن ضمن هذه القضية.
ملف النفط والمصافي: الإطاحة بـ 67 مسؤولاً ونائباً
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر قليلة من الهزة الارتدادية التي أحدثها توقيف وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، في أيار (مايو) الماضي؛ حيث قادت اعترافاته المعمقة القضاء إلى كشف شبكة فساد واسعة النطاق في قطاع مصافي النفط.
وأسفرت حملة المداهمات الأمنية التي تلت اعترافات الجميلي عن توقيف نحو 67 شخصاً، غالبيتهم العظمى من نواب الدورة الحالية، ومسؤولين تنفيذيين بارزين، ورجال أعمال، فيما كشف القضاء عن حصر وإحصاء المبالغ الضخمة المضبوطة والمترتبة على هذه القضية.
كلفة الفساد: نزيف ثلث الإيرادات السوداء
يُذكر أن العراق، الذي يعتمد على النفط لتأمين نحو 90% من إيراداته المالية العامة، لا يزال يقبع في مراتب متأخرة على مؤشرات الفساد العالمية الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية، ما جعل القطاع النفطي والمصافي الهدف الأول لشبكات المحاصصة والفساد.
ووفقاً لتقديرات خبراء واقتصاديين وجهات غير رسمية، بلغت الكلفة الإجمالية للفساد المالي في العراق نحو 500 مليار دولار منذ عام 2003، فيما تؤكد التقارير الفنية أن الفساد وسوء الإدارة يلتهمان ما يقارب ثلث الإيرادات النفطية السنوية للبلاد، مما يجعل من الاستراتيجية الحالية ممرّاً إجبارياً لإنقاذ الهيكل الاقتصادي للدولة.

