التحالف الأطلسي أمام مفترق طرق: زيادة الإنفاق، دعم أوكرانيا، ومواجهة إيران
انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، في مرحلة شديدة الحساسية تشهد تصاعدًا في التحديات الأمنية الدولية وتزايدًا في الخلافات بين أعضاء الحلف. وقد برزت خلال القمة ملفات أساسية، في مقدمتها مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ودور الولايات المتحدة داخل الحلف، في ظل ضغوط متواصلة يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين.
كما كشفت التصريحات المتبادلة بين قادة الدول الأعضاء عن تباين واضح في وجهات النظر بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية وحجم المسؤوليات المشتركة، الأمر الذي جعل القمة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الناتو على الحفاظ على وحدته وتعزيز قدراته الدفاعية في مواجهة المتغيرات الدولية المتسارعة.
تأكيد الالتزام بالدفاع المشترك
أكد البيان الختامي للقمة التزام الحلفاء بمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة الناتو، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف.
كما شدد القادة على ضرورة رفع ميزانيات الدفاع، وتعزيز الجاهزية العسكرية الجماعية، وتطوير القدرات الدفاعية، ولا سيما منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، بما يواكب التحديات الأمنية الراهنة.
70 مليار يورو لدعم أوكرانيا
احتل الملف الأوكراني صدارة جدول أعمال القمة، حيث تعهد قادة الحلف بتقديم مساعدات عسكرية بقيمة 70 مليار يورو خلال عام 2026، تشمل تزويد كييف بمعدات عسكرية متطورة، وتنفيذ برامج تدريب متقدمة للقوات الأوكرانية، مع تجديد الالتزام السياسي والعسكري بمساندة أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.
كما أعلنت النرويج تقديم ثلاثة مليارات كرونة نرويجية (نحو 306.2 ملايين دولار) لدعم منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية في مواجهة الصواريخ الباليستية.
إيران ومضيق هرمز في صلب النقاشات
خصصت القمة حيزًا مهمًا لمناقشة الملف الإيراني والأمن الإقليمي، حيث جدد قادة الحلف رفضهم امتلاك إيران أي سلاح نووي، داعين طهران إلى احترام حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
واعتبرت بعض المواقف داخل الحلف أن الضربات الأميركية ضد إيران جاءت في إطار حماية المصالح الغربية، فيما أكد الأمين العام للناتو، مارك روته، أن الهجمات التي تستهدف السفن التجارية في المنطقة تجعل الرد الأميركي ذا أهمية خاصة.
وفي السياق نفسه، كشف وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو عن وجود مبادرات داخل الناتو بالتوازي مع التحركات الأميركية لتعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن بلجيكا تستعد لإرسال كاسحات ألغام ضمن المهمة البحرية التي تقودها بريطانيا وفرنسا.
ترامب يطمئن… ويضغط في آن واحد
حرص الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، على طمأنة الدول الأعضاء بشأن استمرار التزام الولايات المتحدة بالحلف، رغم الشكوك التي أثارتها سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال روته قبيل الجلسة الرئيسية للقمة: “هناك التزام كامل من الولايات المتحدة تجاه الناتو، لكن هناك أيضًا توقع مشروع بأن يرفع الأوروبيون والكنديون إنفاقهم الدفاعي ليقترب من مستوى الإنفاق الأميركي، وهو ما أعتبره أمرًا منصفًا.”
وجاءت القمة في وقت يواصل فيه ترامب انتقاد الحلفاء الأوروبيين، مطالبًا بزيادة مساهماتهم المالية، في ظل خلافات برزت خلال الأشهر الماضية حول الحرب مع إيران، إضافة إلى الجدل الذي أثارته تصريحاته بشأن غرينلاند.
إف-35… بين أنقرة وتل أبيب
شهدت القمة أيضًا نقاشًا واسعًا حول مستقبل العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وتركيا، بعد إعلان ترامب أن واشنطن ستنظر في بيع مقاتلات “إف-35” لأنقرة، بالتزامن مع تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثقته بإصدار قرار إيجابي بهذا الشأن، إضافة إلى حديث ترامب عن إمكانية رفع العقوبات المفروضة على تركيا.
في المقابل، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن تزويد تركيا بهذه المقاتلات “من شأنه نسف توازن القوى في الشرق الأوسط”.
غرينلاند… خلاف جديد داخل الحلف
ومن بين الملفات التي عكست حجم التباينات داخل الناتو، قضية غرينلاند، حيث دعت رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، الحلفاء إلى احترام سيادة بلادها، مؤكدة أن “غرينلاند ليست للبيع”، وذلك ردًا على تصريحات ترامب المتكررة بشأن رغبته في السيطرة على الجزيرة.
الإنفاق الدفاعي… تفاوت بين الأعضاء
أظهرت بيانات الحلف أن خمسة أعضاء فقط سيتمكنون من تحقيق هدف تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي الأساسي خلال عام 2026، بينما سيبقى إنفاق عدد من الدول الأخرى قريبًا من نسبة 2%، وهو ما يعكس استمرار التفاوت في تحمل الأعباء داخل الحلف.
الخليج وإيران… تباين في الرؤى
وفي موازاة مداولات قمة الناتو، تواصل دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها للملف الإيراني.
ورغم انضمام المملكة العربية السعودية مؤخرًا إلى تحالف يضم تركيا ومصر وباكستان في محاولة للتأثير في مسار التطورات المقبلة، فإن مسؤولين سعوديين يقرون بأن هذا التحالف يبقى مؤقتًا وضعيف التأثير، في ظل غياب طرف يمتلك نفوذًا كافيًا لدفع إيران إلى تقديم تنازلات جوهرية.
أما الإمارات العربية المتحدة، فقد بقيت إلى حد كبير خارج هذا الحراك، إذ تنظر إلى إيران باعتبارها خصمًا استراتيجيًا لا يمكن التوصل معه إلى تفاهمات دائمة، وتفضّل التركيز على بناء قوة الردع بدلًا من الرهان على ما تعتبره دبلوماسية غير مجدية.
ويعكس ذلك غياب موقف موحد داخل مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران، في وقت تراجعت فيه الثقة الخليجية بالولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني التقليدي. فواشنطن، من وجهة نظر العديد من العواصم الخليجية، أصبحت شريكًا يصعب الاعتماد على سياساته المتقلبة، لكنها في الوقت نفسه تبقى قوة لا يمكن الاستغناء عنها.
نظام إقليمي جديد يتشكل
في ضوء هذه التحولات، تبدو دول المنطقة في طريقها إلى البحث عن شراكات جديدة مع ما يُعرف بـ”القوى المتوسطة”، بينما قد تجد الصين فرصة لتوسيع حضورها الدبلوماسي، رغم استمرار حذرها في الانخراط المباشر في أزمات المنطقة.
أما مستقبل العلاقات مع إسرائيل، فمن المرجح أن يتوقف على نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وتشير أوساط قريبة من دوائر القرار الإقليمية إلى أن عدداً من الدول لا يزال منفتحًا على خيار التطبيع، لكن بشرط أن تفرز الانتخابات حكومة إسرائيلية جديدة تقدم بديلاً عن نهج الحروب المفتوحة والمستمرة.
وفي المحصلة، لم يعد النفط ولا الوعود الأميركية بالحماية الأمنية كافيين للحفاظ على معادلة التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط. فالحروب الأخيرة لم تُسقط هذا النظام بالكامل، لكنها أضعفته إلى حد بعيد، سواء في شكله الخارجي أو في مضمونه الاستراتيجي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى والتحالفات في المنطقة والعالم.

