“ما نقدسه الآن قد يسخر منه أبناؤنا غداً. الأفكار تولد، تشيخ، ثم تموت، ولا يبقى إلا ما صمد أمام مطرقة الشك وسندان التجربة.”
“الفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت”
نعم، أسفرت التوترات والحرب مع إيران عن تصدر الولايات المتحدة الأميركية قائمة أكبر مصدري النفط والوقود في العالم، متقدمة بذلك على عمالقة الإنتاج مثل السعودية وروسيا.
قفزت صادرات النفط الخام الأميركي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 5.2 مليون برميل يومياً، مدعومة بطفرة إنتاج النفط والغاز الصخري التاريخية، واضطرابات إمدادات الشرق الأوسط، التي أدت إلى تحول الولايات المتحدة لتصبح “مُصدِّراً صافياً” للنفط الخام لأول مرة منذ عام 1943.
نعم، ساهمت التوترات والاضطرابات الناجمة عن حرب الولايات المتحدة وإيران بشكل مباشر في تعزيز مكانة أميركا كأكبر مُصدِّر للنفط والوقود في العالم، محققة بذلك صدارة تاريخية تسببت في قلب موازين القوى التي هيمنت عليها، لعقود عديدة، من الزمن.
كيف صعدت أميركا إلى الصدارة؟
أدى هذا التحول الإقليمي إلى صعود أميركا لتصبح مُصدِّراً صافياً للنفط لأول مرة، مدفوعة بالعوامل التالية:
* طفرة الصادرات: قفزت صادرات النفط الخام الأميركي إلى مستويات قياسية بلغت نحو 5.2 مليون برميل يومياً، لتصل إجمالي صادرات النفط والوقود إلى حوالي 10.5 مليون برميل يومياً.
* اضطرابات الإمدادات: تسببت الحرب في صدمة ملحوظة في الإمدادات العالمية، مما دفع الأسواق وشركات الطاقة الدولية إلى الاعتماد على الإنتاج الأميركي القياسي من النفط والغاز الصخري لسد الفجوة.
* تعزيز هيمنة الطاقة: عززت واشنطن استراتيجية “هيمنة الطاقة”، مما مكّن الشركات الأميركية من اقتناص حصص سوقية ضخمة في أوروبا وآسيا وأبعد.
أرقام تؤكد التفوق الأميركي
أظهرت بيانات من شركة “فورتكسا” لخدمات تتبع السفن أن صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والوقود قفزت إلى نحو 10.5 مليون برميل يومياً في مايو (أيار)، بدفعة من زيادة الإنتاج والسحب من الاحتياطات الاستراتيجية، مما جعل الولايات المتحدة أكبر مصدر للنفط في العالم للشهر الثالث على التوالي.
ووفقاً لحسابات “رويترز”، بلغت الصادرات الروسية 7 ملايين برميل يومياً في مايو (أيار)، فيما كشفت بيانات “فورتكسا” أن الصادرات السعودية سجلت 5.9 مليون برميل يومياً.
وورد في بيانات “فورتكسا” أنه، بالمقارنة، صدّرت السعودية نحو 8.1 مليون برميل يومياً في عام 2025، بينما صدّرت الولايات المتحدة 6.6 مليون برميل يومياً، وروسيا نحو 5.8 مليون برميل يومياً.
ورقة القوة الجديدة لواشنطن
وقالت ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات في شركة “كبلر” لتتبع السفن: “لدى واشنطن أداة جديدة لم تكن تعلم قبل الحرب على إيران أنها تمتلكها، وهي صادرات الطاقة”.
وقد تؤدي الهيمنة الأميركية الجديدة إلى إضعاف القدرة على تحديد الأسعار التي تمتعت بها “أوبك” وحلفاؤها تاريخياً في أسواق النفط، وكثيراً ما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنظمة، واتهمها بأنها تتلاعب بالأسواق.
ومن شأن احتلال واشنطن المركز الأول في تصدير النفط أن يمنحها نفوذاً جديداً وقوياً في المفاوضات مع الحلفاء والخصوم، إلى جانب تفوقها العسكري العالمي وهيمنتها على الأسواق المالية بفضل الدولار، الذي يقوم بدور عملة الاحتياط النقدي عالمياً.
يمكننا أن نرى الآن نفوذ الولايات المتحدة على بعض هذه الدول، لأنها تعتمد على الولايات المتحدة في الحصول على النفط أو الغاز، دون إغفال أن الولايات المتحدة هي أكبر مورد للنفط الخام إلى أوروبا، وثاني أكبر مورد للمشتقات النفطية.
الحرب أعادت رسم خريطة الطاقة
نعم، أميركا تجني ثمار حرب إيران، وتتحول إلى مُصدِّر صافٍ للنفط الخام لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
وتأتي مكاسب واشنطن مدفوعة بارتفاع الطلب من أوروبا وآسيا الساعيتين إلى تعويض نقص الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، والبحث عن بدائل بعيداً عن مناطق النزاع.
وتعكس التطورات، وفق بيانات تراقبها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)، إعادة رسم خريطة تدفقات النفط العالمية، في ظل اضطرابات حادة أصابت سلاسل الإمداد نتيجة التوترات الجيوسياسية، خاصة بعد تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز في العالم.
وتسببت حرب إيران في أكبر اضطراب تشهده سوق الطاقة منذ عقود، إذ أدت المخاطر الأمنية في الخليج العربي إلى تعطّل جزء كبير من الإمدادات، ما دفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل سريعة.
ودخلت دول جديدة على خط استيراد النفط الأميركي، إذ اشترت اليونان الخام الأميركي لأول مرة، وتستعد تركيا لاستقبال 500 ألف برميل في أول شحنة منذ عام على الأقل، في مؤشر واضح على توسع قاعدة العملاء.
بين الخطاب والمصالح
العلاقات بين أميركا وإيران وإسرائيل ليست تحالفاً معلناً، بل هي شبكة من “التعاملات السرية والمصالح المتقاطعة” تحركها البراغماتية وموازين القوى.
ويُعرف هذا التناقض بين الخطاب العلني والواقع الاستراتيجي بـ”تحالف الغدر”، وتاريخياً يتلخص هذا “التحالف” في النقاط التالية:
حقبة الشاه (قبل 1979): كانت الدول الثلاث في معسكر واحد؛ فإيران كانت حليفة وثيقة لأميركا، وكانت تعتبر، مع إسرائيل، جزءاً من “عقيدة المحيط” التي تهدف إلى تطويق الدول العربية وإبعاد الخطر السوفييتي.
فترة الثورة الإسلامية: رغم صعود شعارات “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل” عام 1979، استمرت الصفقات السرية. وأبرزها فضيحة “إيران غيت” (Iran-Contra) في الثمانينيات، حيث زودت واشنطن وإسرائيل إيران بالأسلحة سراً لدعمها في حربها ضد العراق.
إسقاط العراق (2003): التقت مصالح واشنطن وطهران في إسقاط نظام صدام حسين وحركة طالبان في أفغانستان، حيث كان العراق عدواً مشتركاً لكلتا الدولتين.
مفاوضات “الورقة السويسرية” (2003): حاولت إيران إبرام صفقة كبرى مع واشنطن تشمل تقديم تنازلات تاريخية، منها الموقف من إسرائيل وحزب الله، لكن التحفظات الأميركية حالت دون إتمامها.
لغة المصالح في الغرف المغلقة
تعتمد الدول الثلاث على سياسة “الاحتواء المزدوج” والمواجهة بالوكالة؛ حيث تستغل إسرائيل “الخطر الإيراني” لضمان أمنها وتبرير سياساتها، بينما تستخدم إيران شعاراتها الأيديولوجية لحشد النفوذ الإقليمي، بينما تتحدث لغة المصالح… لغة المصالح في الغرف العميقة المغلقة.

