مناقشة مضمون اتفاق الإطار الذي توصل إليه الجانبان اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، بمعزل عن سياق وظروف إقراره، لن يفيد. كما أنه ليس من الصعب تبيان ثغراته ومدى انحيازه لتلبية المصالح الإسرائيلية. ولكن المشكلة ليست هنا، وإنما في إمكانية التوصل إلى اتفاق بديل يقبل به حزب الله.
فحتى لو جرى شطب جميع البنود التي فرضتها الولايات المتحدة على المفاوض اللبناني، والتي تطال السيادة اللبنانية، فلن نتمكن من التوصل إلى أي اتفاق. فحزب الله يتصرف وكأن قواته قد تخطت عكا والقدس، وباتت على مشارف تل أبيب، وليست القوات الإسرائيلية هي التي باتت على مشارف النبطية وعلى تخوم صور، بعدما تخطت المنطقة الأمنية في “الشريط الحدودي” السابق.
فالحزب لا يرضى بأقل من الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط..
الحزب بين المواجهة وإقصاء الدولة
وخشية أن تستفيد الحكومة اللبنانية من مواجهاته مع إسرائيل، نراه يردد، تكرارًا، أن الحكومة اللبنانية لا دخل لها بقتاله، وأنه يجيّر مواجهاته لصالح إيران، لا لصالح حكومة لبنان.
وخلال تلك المواجهات، ركز الحزب هجومه السياسي على الحكومة وعلى رئيس الجمهورية، وكأن الجيش اللبناني هو العدو الذي يقصف القرى والمدن اللبنانية ويحتلها، وليس الجيش الإسرائيلي.
ووصل الأمر بجمهوره إلى درجة غير مسبوقة، باتهام رموز العهد بالعمالة والصهيونية.
ومن الممكن إعادة النظر بهذا الاتفاق عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية، ولكن ذلك سيتطلب تقديم مشروع اتفاق بديل، لا بد أن يتضمن مقايضة سلاح حزب الله بانسحاب إسرائيل، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، وعودة المهجرين.
ذلك الاتفاق الذي، لو وافق عليه حزب الله سابقًا، لوفّر عليه وعلى لبنان آلاف الضحايا وذلك الدمار الرهيب.
لماذا يتمسك الحزب بسلاحه؟
وهنا يطرح السؤال البديهي: لماذا يصر حزب الله على التمسك بسلاحه ومهاجمة العهد؟ وما الهدف الذي يتقدم على تحرير الأرض والإعمار وإطلاق الأسرى وعودة المهجرين؟
إنها السلطة، بكل بساطة.
ولم يتردد الحزب في إعلان نيته بإسقاط الحكومة في الشارع، ولم يتردد في إظهار استيائه من مواقف الحكومة من سلاحه، ومن علاقتها بإيران.
وطموح الحزب إلى استلام السلطة عبّر عنه مرارًا بطرق مختلفة، برفضه قرارات الحكومة في موضوع سلاحه، ومن أزمة السفير الإيراني، وعبر تصريحات من جمهوره وحلفائه بضرورة تقديم ضمانات له، من مثل تسلم قيادة الجيش، أو استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، أو عبر إقرار خطة دفاعية يتولى هو قيادة الجانب الشعبي منها، أو عبر طرح موضوع مصير كوادره ومقاتليه وأسر شهدائه، إلخ.
ثغرات الاتفاق… وهشاشة التفاهم الأميركي – الإيراني
وبالعودة إلى اتفاق الإطار، فإن ثغراته عديدة، وما الإبقاء على سرية الملحق الأمني إلا إشارة إلى حراجة بعض البنود والعيوب التي تعتريه، إلا أن ذلك لا يعني أن اتفاق سويسرا بين أميركا وإيران معبد الطريق.
فإعلان النوايا بين أميركا وإيران لا يعني التزام الطرفين بذات مبادئ التسوية. كما أن هذه النوايا تبقى مهددة بالانفراط في أي لحظة، وليس من المستغرب أن يرتد أي من الطرفين عن تعهداته، وتتجدد الحرب، وينهار معها اتفاقهما حول لبنان.
عدا عن خشية السلطة من أن تؤدي موافقتها على ذلك إلى دعم طموح حزب الله بالهيمنة على الحكومة والسلطة. وربما لعب شعور العهد بتهديد حزب الله لسلطته دورًا في الإسراع بقبول الإملاءات الأميركية.
المهم ألا يجري التركيز على بنود مشروع اتفاق سيئ، وإهمال التركيز على العقبات التي تمنع عقد اتفاق جيد يعالج أزمة الصراع مع إسرائيل، ويريح الوضع الداخلي.
الحل بيد حزب الله. والحل بيد إيران.

