ها هو شاعرنا حسن خليل عبدالله يمضي السنة تلو السنة تحت الثرى، فلن تجف المآقي حزنًا على لوعة الفراق الأبدي، ولن يخفت لهيب القلوب الملتاعة من ألم التفارق القسري عن الذي ظهر ككوكب دُرّي في فضاء الجنوب الثقافي منذ ستينيات القرن الماضي، وأخذ يسطع رويدًا رويدًا، بتؤدة الشاب الطموح، المتيقن إيمانًا بأنه سيصل يومًا إلى مبتغاه، من غير عجلة أو حرق لمراحل النبوغ البازغة في نفس ذلك الشاب الخجول، الذي لم يتخلَّ يومًا عن الطبيعة في عالمه الخيامي الصغير جغرافيًا، الكبير داخل أروقة نفسه المتمردة على الذات بصمت رهيب.
فبقيت مفردات الطبيعة الخيامية؛ (المرج، السهل، الوطى، الدردارة، الرقيقة، الباردة، المسيّل، الغدير، النبعة، الساقية، الكرّوسة، الباشق، الشوّحة، الحسون، أبو الحن، الدوري، الزرزور، الوروار، اليمامة، الترغل، الكينا (الكناية)، الصفصاف، الحور، الزيزفون، الزرنزخت، السنديان، الميّسة، الدفلة، البوط، الحبق، الياسمين، الجوري، الفل، الغردينيا، اللوز، الجرنك، التين، الصبّار، المردكوش، السماق، الزعتر، المسوبعة، السنابل، العنقود، الكوز، الكبش)، المادة الأولية لأدبه الجزيل، سواء شعرًا، أو نثرًا، أو مقالًا، وأخيرًا مفاجأة العقد الأخير من حياته الدنيوية، وهي موهبة الرسم، فأبدع فيها خير إبداع، ونال استحسان روادها قبل إعجاب متذوقيها.
ذكرى وفاء في «ملتقى خيرات الثقافي»



وبمناسبة مرور أربع سنوات على غياب الشاعر حسن عبدالله، أقامت الفنانة التشكيلية خيرات الزين، صباح يوم الأحد الفائت، في “ملتقى خيرات الثقافي” في قريطم – بيروت، ذكرى تأبينية، بحضور الأهل والأحبة والأصحاب والأصدقاء الأوفياء، وفي مقدمتهم أيقونة الصحافة وتاج الإعلام الأستاذ الكبير فيصل سلمان، والأديب الكاتب هيثم الأمين، والعميد المتقاعد حسن بشروش، والإعلامي عبد الغني طليس، والإعلامي فيصل عبدالساتر، وغيرهم الكثيرون، الذين ازدانت بهم صالات الملتقى الداخلية، وتلألأت بحضورهم شرفاته الخارجية.
كلمات استحضرت الشاعر والإنسان


افتُتح الحفل بكلمة معبرة للإعلامي والشاعر زاهي وهبي (مدير الحفل)، قال فيها:
“حسن العبدالله علامة فارقة بالشعر العربي الحديث، هو مزيج من البراءة والالتزام، الالتزام الإنساني العميق، حس السخرية العالي، وفي الوقت نفسه تعبير عن قضايا كبرى تمس الإنسان اللبناني الجنوبي بشكل خاص، والعربي عمومًا، والإنسان أينما كان.”
ثم تحدثت الفنانة التشكيلية خيرات الزين، صاحبة الدعوة والملتقى، فقالت:
“حسن بيفيق فينا الحواس الخمسة بكل شيء، بحسّه لم يغادر طفولته، بكل شي، بقصايده، بطيبته، بعفويته.”
بعدها اعتلى المنبر الشاعر الكبير مصطفى سبيتي، مرتجلًا قصيدة من وحي المناسبة، إهداءً للفقيد، جاء فيها:
“تحت شلال القوافي نستحم… وأفسدت أشعارنا… فالوحل ما نسقى، وسمٌّ ما نشم.”
ثم تحدث المهندس أحمد مالك عبدالله، الناشط الإعلامي والباحث في تدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل، موضحًا سر علاقة الشاعر بنبع “الدردارة” الرقراق، المتربع في وسط مرج الخيام بسهل مرجعيون.
وتلاه الشاعر سليم علاء الدين، الذي أتحف الحضور بقصيدة معبرة، قال فيها:
“كيفك حسن؟ عم يسأل عليك الوطن… شايف شو عم يصير قدامك… عم تنوجع وتقاوم خيامك… كيفك حسن يا نايم ببال الزمن… وعّي القصيدة النايمة بفكرك حبق… تعمل مع الدهشة سبق.”
كما تحدث الموسيقي والشاعر علي نصار، وسولاف عبدالله، كريمة الشاعر الراحل عصام عبدالله ورئيسة المؤسسة التي تحمل اسم والدها، والدكتور الاستشاري محمد وهبي، والإعلامية لوركا سبيتي، التي قالت:
“سأل حسن يومًا سؤالًا وجوديًا وجدانيًا جديًا: من أين أدخل في الوطن؟ الوطن الذي فتشت عن بابه، دخلته أنت من قلوب الناس. دخلته قصيدة، وبقيت فيه!”
ثم ألقى المهندس مالك غندور، رئيس التجمع اللبناني للبيئة، والمحامي حسيب سبيتي، وأستاذة الفلسفة الدكتورة زينب شوربا كلماتهم، فقالت الأخيرة:
“إذا بدنا نقرأ أشعاره وكتاباته، حسن بيطلع مؤسس تأسيس فيلسوف ملهم.”
كما تحدثت الروائية علوية صبح، قائلة:
“يندهش مثلما قصيدته مليانة دهشة.”
واختُتم اللقاء بكلمة عائلة الشاعر الراحل، ألقتها جاندارك عبدالله، كريمة شقيقة الشاعر، التي شكرت الحضور الكريم على مشاركتهم هذا اللقاء التذكاري.
وفي ختام الحفل، وُزعت نسخة مجانية من كتاب قصيدة “الدردارة”، الطبعة الثانية (2026)، التي أنجزتها السيدة خيرات الزين.
بدايات شاعر كبير
في عام 1978 صدر له ديوانه الأول “أذكر أني أحببت”، وقد قدّم للمرحوم والدي نسخة من ذلك الديوان، مذيلة بتوقيعه وكلماته الرقيقة.
ثم كرّت سبحة الشعر لدى شاعرنا المكرّم، بدءًا من قصيدة “الدردارة”، وأذكر أن صحيفة “السفير” البيروتية كانت أول من نشرها على صفحتين متقابلتين، قبل أن تصدر لاحقًا في كتاب مستقل عام 1981.
وهي قصيدة يخالها القارئ أسطورة هندية، أو ملحمة إغريقية، أو معلقة جاهلية، أو كأنها جميعًا قد انصهرت وامتزجت معًا.
وتبعها، بعد فترة ليست بقصيرة، ديوان “راعي الضباب” (1999)، ثم ديوان “ظل الوردة” (2012).
إبداع للأطفال… وريشة فنان
ثم انعطف شاعرنا نحو الإبداع في أدب الأطفال، فأخذ يكتب لهم قصصًا جميلة، تولت إحدى دور النشر نشرها وتوزيعها، حتى بلغ عددها ستين مؤلفًا، طبع بعضها أكثر من مرة.
وقد نالت جميعها استحسانًا كبيرًا، سواء من نظرائه الأدباء أو من النقاد في مختلف أنحاء الوطن العربي، كما حصد عدد منها جوائز قيمة، وشهادات تقدير، ودروعًا تكريمية.
ولم يقتصر عطاؤه على الأدب، بل برزت أيضًا موهبته في الرسم، فأقام معارض فنية عرض خلالها لوحات تشكيلية أخاذة، تجاوز عددها الأربعين لوحة.
شاعر خرج من روح جبل عامل
قد يصفه البعض بأنه شاعر أسطوري انتفض من طرابين الملاحم الإغريقية، بل هو أجزل من ذلك.
إنه نتاج البيئة العاملية، بفلاحيها ومقاوميها، وبالكادحين الذين كانوا، منذ طلوع الشمس، يتجهون إلى السهول والروابي، ليعجنوا بعرقهم أرض جبل عامل المعطاءة.
وهو ذلك الثائر الرافض للذل والخنوع، ممتطيًا فرسه، شاهرًا سيفه في وجه كل دخيل أتى ليدنس أرض الطهارة والسؤدد.

