خلّي عينك على العراق!

العراق

يخبرنا نيتشه أن الصراع ضد القطيع ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لكي لا تذوب هويتك وتتلاشى ملامحك الفريدة في زحام التكرار.

نعم، قد يكون هذا الطريق موحشاً في كثير من الأحيان، وقد يباغتك الخوف في محطات العزلة، حيث لا جدار تستند إليه سوى وعيك.

لكن، هل هناك ثمنٌ باهظ حقاً إذا كان المقابل هو أن تملك نفسك؟ أن تكون أنت، بقراراتك، بأفكارك، وبحقيقتك كاملة، دون تزييف أو تبعية عمياء.

“خلّي عينك على العراق” هي مقولة شهيرة للرئيس اللبناني الأسبق كميل نمر شمعون، والتي اختصرها بعبارة “خلّي عينك على العراق”، وأكملها قائلاً: “عراق قوي، لبنان مستقر”.

أطلق شمعون هذه الرؤية الاستراتيجية خلال فترة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي (تحديداً عام 1976)، وتُلخص مقولته أبعاداً جيوسياسية عميقة.

الترابط المشرقي: اعتبر أن قوة العراق وتماسكه يمثلان صمام أمان لاستقرار دول المنطقة.

نظرية “المصير المشترك”: كان يرى أن أي تقسيم أو انهيار يشهده العراق سيؤدي حتماً إلى تقسيم المنطقة ولبنان تباعاً، وأن بقاء العراق موحداً يضمن وحدة واستقرار دول وشعوب المنطقة.

وتستحضر الأوساط السياسية والتحليلات هذه المقولة التاريخية حتى اليوم، لقراءتها في سياق الأحداث المعاصرة التي تربط بين مسار التطورات في بغداد وبيروت وأبعد وابعد في شرقنا الأوسط.

نعم، قالها رئيس الجمهورية اللبنانية الراحل كميل شمعون في رد على سؤال من أحد المقرَّبين إليه بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية  بسنة واحدة تقريباً:

“خلَّي عينك على العراق”، معتبراً أنه “إذا قسّم العراق ستقسم المنطقة تباعاً، وإذا بقي موحداً ستبقى دول المنطقة وشعوبها موحدة أرضاً وشعباً”.

يبدو أن النظرية الشمعونية، والتي قامت على فكرة “عراق قوي، لبنان مستقر” كما ذكرنا أعلاه كانت صائبة إلى حد كبير، واليوم نرى مشهداً متماثلاً تعيشه كل من بغداد وبيروت.. العواصم العربية الاربعة التي تفاخر نظام الملالي بوضع اليد عليها…

في ديسمبر عام 2004 أطلق العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مصطلح الهلال الشيعي، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست”. المصطلح كان تعبيرا عن مخاوف الملك من إيرانية الحكومة العراقية المؤقتة، التي اشكلت بعد الغزو الأميركي للعراق، ورتبت بتدخل أميركي _ايراني مشترك. وصف الملك للهلال الخصيب، بالهلال الشيعي، اثار جدلا واسعا في وقتها، وشبه بعضهم تصريحات الملك الأردني بالتحريض والمذهبية.

الهلال الايراني

لكن في عام 2020 عاود الملك عبد الله الثاني التحذير من تبعات هذا المصطلح وخطورة التساهل في التعامل معه، ولكن بلغة سياسية أكثر وضوحا هذه المرة، وهو قال في حوار مع “فرانس 24” الإنكليزية، “عندما قلت تلك العبارة استخدمت تعبير الهلال الشيعي، ولكن في الواقع هو الهلال الإيراني، الذي لديه امتداداته في العراق وسوريا ولبنان ووو”، وأضاف، ” هذا أمر كان علينا جميعا مواجهته.. “.

‏مشروع الهلال الإيراني، الذي شرّد عرب سوريا، ودمر منارة العرب الشمالية، وأفقر اليمن وفرق اليمنيين، بدأ تنفيذه بعد غزو العراق. فهل ستكتمل استدارته بعد الحرب على غزة. وهل يسعى ظلاله الأسود الوصول إلى  الأردن، بعد ان هيمن على القرار الفلسطيني، عبر المليشيات التي تنفذ الاجندة الإيرانية، وتتمنطق بشعارات إسلامية ابعد ما تكون عن جوهر الرسالة الإسلامية؟!

الهلال الايراني مفهوم ناتج عن تحالف القوى السياسية في الشرق الأوسط، المدعومة من ايران والخاضعة لها بعد عمليات غسيل الأدمغة وتعليبها، بهدف مواجهة العرب، بوجود قوة إقليمية جديدة يمكن أن ‘تغيير التوازن التقليدي للسلطة بين الطائفتين الإسلامية العربية الرئيسية.

نعم، المناطق المرتبطة بالتحالف الايراني تحت المسمى الشيعي لها شكل الهلال على الخريطة، وتمتد من بلاد الشام عبر إيران إلى الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية وفي المركز هو النظام الشيعي في إيران التي تخوض منافسة شرسة مع جيرانها العرب في المنطقة ولتوسيع نفوذها، تسعى إيران لبناء شراكات مع بعض الحكومات والمنظمات في الوطن العربي وغيره، على أمل أن بعضهم قد يقفز إلى الدفاع عن طهران المخطوفة مَن الملالي والحرس الثوري والبسيج في حالة وقوع أي هجوم عليها.

الأكثر أهمية لإيران هو حزب الله في لبنان، الحزب الأقوى في لبنان، الذي يمتلك بدعم ايراني كبير قوة مسلحة توازي جيوش بأكملها ودائمًا بحجة تحرير القدس.

اما سوريا كانت تمثل حلقة الوصل بين إيران وحزب الله، والأسرة الحاكمة في سوريا في عهد نظام ال الأسد البائد الذي كان على علاقة إستراتيجية وثيقة مع ايران منذ عام 1980.

وقد سيطرت إيران على معظم مناحي الحياة في العراق من شبكات تجارية وسياسية واستخبارية، التي تهيمن عليها الأحزاب السياسية، منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003. العراق الذي استخدمته ايران كحديقة خلفية ومضخة للمال والدعم اللوجستي والشعبي فيما يسمى ألوية الحشد الشعبي.

دون ان ننسى الجهة الجنوبية من ‘الهلال’ اي في الخليج، حيث تعمل ايران على انتفاضة الأغلبية الشيعية في البحرين خصوصًا، والتحريض على التمرد.

ان فشل تشكيل الهلال الايراني اصبح حتمي حيث النظام الإيراني لم ينجح في تصدير الثورة الاسلامية عام 1979 في العالم العربي كما كان يرجو، خصوصا مع كبار السلطات الدينية الشيعية في العراق ولبنان بعد رفض نموذج ولاية الفقيه. ولم يظهر الشيعة في السلطة في العراق أي نية لإعادة هيكلة الدولة على النموذج الإيراني. وإيران دولة فارسية الأغلبية، الأمر الذي يحد من جاذبيتها بين العرب مسلمين ومسيحيين.. سُنّة وشيعة.. بأستثناء البعض المغرر بهم على طريق القدس أكبر خدعة استهلكها النظام الايراني على الطريق المعاكس لفلسطين !

السابق
بوابات الاحتلال تعود إلى الجنوب..حزب الله يبدّد إنجاز التحرير ويعيد عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2000