هل يعود النفوذ السوري إلى لبنان؟ قراءة في توازنات المشرق الجديدة

لبنان وسوريا

على ضوء التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دعوة الرئيس السوري  احمد الشرع  إلى التدخل في لبنان لمواجهة حزب الله، يبرز سؤال أساسي حول مدى واقعية هذا السيناريو وإمكان تحوّله إلى سياسة عملية في المرحلة المقبلة.

الخلفية الفكرية وحدود الواقع السياسي

من المعروف أن الحركات الجهادية عمومًا لا تنظر إلى الحدود السياسية التي نشأت بعد اتفاقيات القرن العشرين بوصفها حدودًا نهائية أو مقدسة. وينطبق ذلك، من حيث الخلفية الفكرية، على هيئة تحرير الشام التي تقود المرحلة الانتقالية في سوريا. ومع ذلك، فإن رئيسها أعلن بصورة واضحة أن أولويات السلطة الجديدة تتركز داخل سوريا، وأنها لا تسعى إلى فتح جبهات خارجية أو التدخل في شؤون الدول المجاورة. ورغم أن هذا الموقف يمثل الخطاب الرسمي الحالي، فإن السياسات تبقى خاضعة لمتغيرات الواقع السياسي والأمني، ولا يمكن اعتبارها ثابتة بصورة مطلقة.

لقد أدى سقوط النظام السوري السابق وصعود سلطة ذات مرجعية سلفية جهادية في دمشق إلى إحداث تحول نفسي وسياسي لدى العديد من الفاعلين في المنطقة. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التحول على بعض الأوساط السنية في لبنان التي تنظر إلى التغيير السوري بوصفه نهاية لمرحلة إقليمية وبداية لمرحلة جديدة في توازنات المشرق.

لماذا يبدو التدخل العسكري المباشر مستبعدًا؟

في المقابل، يبدو أي تدخل عسكري مباشر في لبنان شديد التعقيد. فلبنان يخضع لتوازنات داخلية وإقليمية ودولية دقيقة، وأي تحرك من هذا النوع قد يفتح الباب أمام مواجهات مع قوى لبنانية متعددة، فضلًا عن استدعاء ردود فعل من دول تمتلك مصالح مباشرة في الساحة اللبنانية.

كما أن من غير الواضح أن مثل هذا السيناريو ينسجم مع المصالح الإسرائيلية. فدخول قوات سورية أو فصائل مرتبطة بالسلطة الجديدة إلى لبنان لمحاربة حزب الله قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى جبهة ممتدة من الجولان حتى جنوب لبنان، وهو ما يعني زيادة عدد اللاعبين المنخرطين في المواجهة وظهور قوة جهادية مسلحة مدعومة من تركيا على الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو تطور لا يمكن افتراض أنه يصب تلقائيًا في مصلحة تل أبيب.

أدى سقوط النظام السوري السابق وصعود سلطة ذات مرجعية سلفية جهادية في دمشق إلى إحداث تحول نفسي وسياسي لدى العديد من الفاعلين في المنطقة.

كلفة التدخل على السلطة الجديدة في دمشق

ومن زاوية أخرى، فإن أي تدخل سوري مباشر في لبنان قد يؤثر سلبًا على الصورة السياسية للسلطة الجديدة في دمشق. إذ يمكن أن يُنظر إليه على أنه استجابة لضغوط أمريكية أو خطوة تخدم أهدافًا إسرائيلية، الأمر الذي قد يثير انتقادات واسعة في أوساط عربية وإسلامية تعتبر ذلك خروجًا عن أولويات الصراع التقليدية في المنطقة. كما أن القيادة السورية ستأخذ في الحسبان ردود فعل قوى إقليمية مختلفة، بما في ذلك الفصائل العراقية المقربة من إيران، واحتمال تحوّل الحدود العراقية – السورية إلى ساحة توتر إضافية.

وفي تقديري، تنظر بعض التيارات داخل هيئة تحرير الشام إلى توسيع النفوذ في لبنان باعتباره هدفًا استراتيجيًا بعيد المدى، لكنه لا يبدو من بين الأولويات المباشرة في المرحلة الراهنة بسبب التعقيدات السياسية والعسكرية والإقليمية المشار إليها. وإذا كان هناك أي سعي للتأثير في الساحة اللبنانية، فمن المرجح أن يتم بصورة غير مباشرة عبر بناء شبكات نفوذ سياسية أو اجتماعية داخل بعض البيئات السنية، وليس من خلال تدخل عسكري مفتوح.

الاعتراض داخل البيئات السنيّة

وتبقى طرابلس ذات أهمية خاصة في هذا السياق بحكم ثقلها الديموغرافي والسياسي داخل البيئة السنية اللبنانية. فقد شهدت المدينة خلال مراحل مختلفة قبل سنوات نشاط تيارات سلفية متنوعة، وبرزت فيها جماعات مثل فتح الإسلام وكتائب عبد الله عزام، كما التحق عدد من أبنائها بتنظيم داعش خلال سنوات الحرب السورية والعراقية. غير أن وجود هذا الإرث لا يعني بالضرورة قابلية المدينة للتحول إلى قاعدة لأي مشروع جديد، إذ إن الواقع المحلي اليوم أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع الاعتبارات اللبنانية الداخلية.

في الوقت نفسه، يمكن ملاحظة ارتفاع منسوب الاعتراض داخل بعض الأوساط السنية على الواقع القائم في لبنان. فالحروب المتكررة وما رافقها من دمار وأزمات اقتصادية ومعيشية ساهمت في زيادة الاحتقان لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم كثير من أبناء الطائفة السنية الذين يرون أن معالجة ملف سلاح حزب الله باتت ضرورة لإعادة بناء الدولة واستقرارها. إلا أن هذا الموقف لا يعني بالضرورة وجود توافق على خيارات راديكالية أو عسكرية لمعالجة الأزمة، إذ تتباين الرؤى داخل البيئة السنية نفسها حول طبيعة الحلول المطلوبة ومستقبل التوازنات اللبنانية.

السابق
لبنان على طاولتين: كيف تتقاطع مفاوضات سويسرا مع مفاوضات واشنطن؟