منذ أن التحفَ ثرى بلدة “عبا”، والروح تفتش عنه في كل تفصيلٍ ترك فيه بصمةً لا تزول. إن الأستاذ خليل توفيق ترحيني (أبا بشار) لم يكن مجرد عابرٍ في تاريخ هذه الأرض، بل كان من جذورها الحية، ينبض بوجدانها ويتتنفس من عبق ترابها العاملي الأصيل، حيث كان يرى في حبات تراب جبل عامل ذراتٍ من كبرياء، وفي حكايات أجداده وتراثهم هويةً راسخة، وعلّمنا أن القراءة والكتابة هما الجسران اللذان نعبر بهما نحو آفاق المعرفة السامية. كل كتابٍ تصفحناه بين يديه كان نافذةً نطل منها على شمس الحقيقة، وكل حرفٍ رسخه كان بذرةً لوعيٍ وطنيّ خالص، يجمع ولا يفرّق، ويبني الإنسان على قيم المحبة والكرامة والإنصاف، ليتراءى اليوم في حكايا الأسواق القديمة، وفي عراقة التراث العاملي الذي جمع خيوطه بشغف العارف، وفي صفحات مجلة “العرايس” التي أسسها لتكون مرآةً لروح بلدته وتاريخها الإنساني، فكان المربي الذي زرع في نفوس الأجيال بذور الخير وحب الناس، تاركاً في كل زاوية من زوايا هذا الجنوب صدى صوته الحكيم، وظل قامته الوارفة بالبذل والعطاء.
ومن صروح التربية ومحاريب العطاء، ينبثق هذا الطيف كقيمةٍ إنسانيةٍ صاغتها الأيام على عينِ المبادئ والوفاء، فلم تكن المسيرة التربوية والاجتماعية التي خطّها طوال عقود مجرد وظيفةٍ، بل كانت رسالةً وجودية صبّ فيها عصارة روحه ليصنع من عقول الأجيال قناديل تضيء عتمة المجهول، فتنقّلَ بين صروح الجنوب ومنابره، حاملاً لواء المعرفة بوقار المربي، وحكمة الأب البار، ورهافة المفكر الذي يدرك أن بناء الإنسان هو الفلسفة الأسمى في هذا الوجود. وفي النبطية، تلك الحاضرة الثقافية التي تنبض بالفكر والأدب، كان لحضوره في المنتديات والأمسيات صدىً خاص وألقٌ لا يغيب، فما إن يعتلي منبراً أو يشارك في ندوة، حتى تتحول الكلمات بين يديه إلى خيوط من نور توثق الذاكرة الحية للجماعة، وتعيد رسم ملامح التراث العاملي بأسلوبٍ ساحر يجمع بين دقة المؤرخ وعاطفة الأديب، حيث كان قطب الرحى في حواراتٍ تُعلي من شأن الإنسان، وتدعو إلى التلاقي والتفاهم بين المكونات كافة، بعيداً عن صخب الخلافات، ممتلكاً إيماناً عميقاً بأن الثقافة هي المساحة المشتركة التي ترتقي بالوعي وتصون كرامة الأوطان.
إن هذا الحضور الآسر والمسيرة المضمخة بالعطاء، يجعل من الغياب الجسدي مجرد تحولٍ في طبيعة الأثر، فالمعاني الراقية التي زرعها في النفوس، والهمم التي استنهضها في ميادين العلم، كفيلة بأن تخلد اسمه في صيرورة العطاء الإنساني، ليظل حاضراً في كل منتدى، ونابضاً في قلب كل أمسية تنشد الحق والجمال. وفي هذا اليوم الذي يفيض بذكرى الآباء، يرتسم الطيف كأجمل ما تكون الأبوة، وأبهى ما تتجلى فيه معاني الوفاء، ورغم مرور سنوات على ذلك الرحيل الجسدي، إلا أن الأثر لم يغب يوماً، بل إنه حاضرٌ في كل نبضة قلم، وفي كل فكرة تُولد، وفي كل حرفٍ يخطه قلبٌ نهل من معين تلك الثورة الثقافية والتربوية، لتبقى القيم السامية التي أورثها للأجيال هي البوصلة والمنار، مستقراً في كنف الأرض التي أحبها وأعطاها أجمل سنوات عمره، فما زُرع من علمٍ، وأدبٍ، ووطنيةٍ، سيبقى شعلةً تضيء عتمة الأيام، ونبراساً يُستهدى به على الدوام.
إن الاستشراف الحقيقي للمستقبل يكمن في استلهام هذه النماذج التي جعلت من الحوار البنّاء والتنسيق العابر للاختلافات ركيزة أساسية، وهي الرؤية القادرة على تقديم حلول حقيقية تستهدف صون الهوية وتحصين المجتمع؛ فالنهوض يتطلب العودة إلى الثقافة الجامعة، وترسيخ التعليم كأداة سيادية، وتعميق الروابط بين المكونات الإنسانية من خلال إحياء الذاكرة التراثية وتوظيف الفكر الأدبي والتربوي في صياغة وعي وطني متماسك ومستدام.

