خريطة الرفض الثلاثي: كيف سقطت «معادلة ترمب» لتفويض دمشق عسكرياً في لبنان؟

لبنان وسوريا

أحدثت التصريحات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترمب -والتي كشف فيها عن طلبه من الرئيس السوري أحمد الشرع تدخل دمشق عسكرياً لتفكيك سلاح حزب الله- ارتدادات سياسية وأمنية واسعة النطاق في عواصم المنطقة.

وجاء هذا الطرح ليفجر موجة رفض قاطعة في دمشق، وحالة تحوط وقلق سيادي في بيروت، في حين قوبل بلا مبالاة وتشكيك في تل أبيب التي تعاملت معه كـ”مناورة سياسية ملغومة”.

وفي تقرير استقصائي شامل، سلّطت صحيفة “الشرق الأوسط” الضوء على أبعاد ودلالات هذه الدعوة من خلال ثلاثة تقارير رصدت المواقف والتحليلات في دمشق وبيروت وتل أبيب:

أولاً: دمشق تجدد رفضها.. “زمن 1976 ولى ونحن في لحظة سوريا الجديدة”

في تصريح خاص لـصحيفة “الشرق الأوسط”، حسم أحمد زيدان، المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية السورية، موقف بلاده مؤكداً عدم وجود أي رغبة أو نية لدمشق في تكرار الدخول العسكري إلى لبنان. وفي المقابل، وجه زيدان دعوة شديدة اللهجة إلى حزب الله اللبناني بضرورة “الكف عن تدخلاته في الشؤون السورية، سواء بالتدخل الميداني المباشر، أو من خلال استضافته ودعمه لفلول النظام السابق البائد قتلة الشعب السوري”، مشيراً إلى أن أبواب قصر الشعب مفتوحة لكافة الأطياف اللبنانية الرسمية.

وأوضح زيدان لـ”الشرق الأوسط” فلسفة المقاربة السورية الجديدة القائمة على ركيزتين:

  • الأولى (دعم بسط سلطة الدولة اللبنانية الشرعية): حيث قال: “على من لا تزال تحكمه ذهنيات وعقليات عام 1976 (عام دخول القوات السورية للبنان)، أن يعلم أنه اليوم في لحظة الثامن من ديسمبر 2024 (تاريخ سقوط نظام بشار الأسد)، وهي لحظة سوريا الجديدة القائمة على احترام السيادة بعيداً عن ممارسات الميليشيات”.
  • الثانية (المقاربة التنموية الشاملة): لتعزيز النسيج المجتمعي وإبعاد المتربصين بالبلدين، معقباً: “ما تريده سوريا من لبنان هو ما يريده أي جار من جاره؛ ما دام جارك بخير فأنت بخير، ونأمل أن يلجم لبنان ميليشيا الحزب عن التدخل في شؤوننا ليعيش الإخوة في لبنان بكل خير تحت سلطة دولة واحدة”.

وعلى صعيد التحليل العسكري، أشار الباحث والمحلل العسكري رشيد حوراني لـ”الشرق الأوسط” إلى وجود محاذير أمنية كبرى تمنع دمشق من الانخراط في لبنان؛ أبرزها تجنب إثارة النزعات الطائفية، وتحوطاً من إقدام ميليشيات شيعية موالية لإيران في العراق على مهاجمة سوريا، أو تحريك طهران وحزب الله لخلاياهما التخريبية النائمة في المدن السورية.

ويرى حوراني أن تكرار ترمب لهذا الطرح يخفي رغبة أميركية في عزل ملف حزب الله عن المفاوضات مع إيران، والاستثمار غير المباشر في تداعيات تدخل الحزب السابق بسوريا، مرجحاً أن تلجأ سوريا لدور محدد جغرافياً وزمنياً فقط إذا ارتبط ذلك بمكاسب كبرى؛ مثل إنجاز انسحاب إسرائيلي من جنوب سوريا، لاسيما مع ضغط واشنطن لاستئناف المفاوضات السورية – الإسرائيلية المتوقفة. وهو ما تقاطع مع قراءة الباحث في مركز “جسور” للدراسات وائل علوان لـ”الشرق الأوسط”، والذي رجح أن أي دور سوري مستقبلي لن يخرج عن التنسيق التقني البحت مع الجيش اللبناني لحماية الحدود المشتركة فقط.

ثانياً: تل أبيب لا تأخذ الطرح بجدية.. “لسعة” أميركية لنتنياهو

من جانبها، كشفت المداولات الإسرائيلية الداخلية عن عدم أخذ مقترح ترمب على محمل الجد. وبحسب تقارير لصحيفة “وول ستريت جورنال” ووسائل إعلام عبرية، فإن الاقتراح جاء كـ”بهدلة ولسعة” سياسية من إدارة ترمب لحكومة بنيامين نتنياهو، نظراً لملل واشنطن من الحروب الطويلة وسعي نتنياهو لجر المنطقة إلى صراعات لا نهاية لها.

ونقلت صحيفة “معاريف” أن ترمب بات يشكك في دقة تقارير نتنياهو، حيث انتقد الأخير علناً بسبب مبالغته في التدمير وقتل المدنيين تساؤلاً: “لماذا يجب أن تهدم عمارات؟”. وفي سياق متصل، كتب المستشرق الدكتور تسفي برئيل في صحيفة “هآرتس”، أن إسرائيل يجب أن تفهم أن لبنان تحول من جبهة عسكرية إلى ورقة مساومة دبلوماسية بيد إيران فرضتها في بازار الاتفاق مع أميركا. ووصف برئيل فكرة الاعتماد على “المقاول السوري” لتفكيك حزب الله بأنها فكرة “بعيدة المنال”، لاسيما وأن الرئيس الشرع أعلن رسمياً انتهاء زمن التدخل العسكري، فضلاً عن انشغال سوريا بإعادة بناء مؤسساتها وإدارتها الداخلية.

وفي المقابل، برزت أجواء سلبية وعقبات تقودها الحكومة الإسرائيلية؛ إذ عبّر وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، في تصريح لإذاعة “103 إف إم” التابعة لـ”معاريف”، عن قلق تل أبيب من القيادة السورية الجديدة، معتبراً أن سوريا وتركيا “تشكلان مسألة مقلقة أكثر بكثير من إيران”، مهدداً بشن حرب على سوريا “عاجلاً أم آجلاً” بوصفها جزءاً من المشروع التركي الإقليمي.

ثالثاً: بيروت ترفض بالإجماع.. السلاح مسؤولية لبنانية حصرية

وفي بيروت، تلاحقت المواقف الرسمية والحزبية الرافضة لأي وصاية أو تدخل خارجي تحت مسمى معالجة سلاح حزب الله، متمسكة بحصرية القرار الأمني بيد المؤسسات الشرعية:

  • الموقف الرسمي والقانوني: أعلن وزير العدل اللبناني عادل نصار في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” (CNN) موقفاً حاسماً قائلاً: “إن نزع سلاح حزب الله هو مسؤولية الدولة اللبنانية الخالصة، وليس من اختصاص أي قوات أجنبية”.
  • المقاربة البرلمانية التكتيكية: اعتبر نائب رئيس مجلس النواب السابق، إيلي الفرزلي، في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن كلام ترمب يندرج في إطار “التكتيك الظرفي” لاستيعاب الواقع الإسرائيلي وإظهار تل أبيب وكأنها لم تتنازل طوعاً في الهدنة، مؤكداً أن المناخ الإقليمي لا يحتمل بؤر توتر جديدة، ومشدداً على أن الجيش اللبناني لا يمكن أن يقف متفرجاً تجاه طرح يمس بنية النظام والكيان اللبناني.
  • موقف الأحزاب المسيحية (القوات والكتائب والتيار): أكد مسؤول العلاقات الخارجية في حزب “القوات اللبنانية” الوزير السابق ريشار قيومجيان لـ”الشرق الأوسط”، أن اللقاءات الرسمية مع السفير السوري ببيروت والتصريحات العلنية للرئيس أحمد الشرع تؤكد أن التدخل السوري غير وارد إطلاقاً. وأضاف قيومجيان: “موضوع السيادة خط أحمر، وما لم نقبله مع نظام الأسد البائد لن نقبله من أي نظام آخر؛ والدولة قادرة بقواها الذاتية على حسم السلاح وتطبيق سلطتها وإذا احتاجت دعماً فستطلبه عبر الأمم المتحدة”.

وتطابق ذلك مع بيان حزب “الكتائب اللبنانية” الذي نوّه بموقف الرئيس السوري الشرع الرافض للتدخل، معتبراً إياه خطوة تؤسس لعلاقات سليمة بين البلدين، ومؤكداً أن حصر السلاح بيد الدولة هو المدخل الوحيد للحل. كما أعلن “التيار الوطني الحر” رفضه المطلق لإسناد أي دور أمني أو عسكري لأي دولة أجنبية على الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن سيادة واستقرار واستقلال لبنان هي مسؤولية حصرية ومقدسة للدولة اللبنانية وحدها.

السابق
صراع السيادة والوصاية: لماذا ترهن طهران «بازار سويسرا» بجبهة جنوب لبنان؟ وهل يحق لها التفاوض باسم بيروت؟