تشهد الساحة الدولية والإقليمية واحدة من أكثر الجولات الدبلوماسية تعقيداً وتشابكاً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ففي الوقت الذي تحط فيه الطائرات الرئاسية الأميركية في منتجع “بورجنشتوك” السويسري حاملةً نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، ومبعوثي البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لبدء محادثات فنية مع الوفد الإيراني رفيع المستوى برئاسة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، تقف جبهة جنوب لبنان كبيضة القبان التي ترجح كفة السلم الإقليمي أو تفجره بالكامل.
المفارقة الصارخة في هذا المشهد تتمثل في الإصرار الإيراني الحاسم على وضع ملف “وقف إطلاق النار في لبنان” كشرط أساسي وجوهري لا يمكن تجاوزه لبدء أو تقدم أي مفاوضات تقنية مع واشنطن بشأن الملف النووي أو رفع العقوبات الاقتصاديّة، بل إن طهران ذهبت إلى حد التهديد بالانسحاب من “طاولة الـ 60 يوماً” إذا واصلت إسرائيل غاراتها المكثفة.
هذا التصلب الإيراني يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات سياسية وقانونية عميقة: ما هي الأسباب الحقيقية والغايات الكامنة وراء هذا الربط الإيراني؟ وهل يحق لطهران أخلاقياً وسياسياً وقانونياً التفاوض باسم الدولة اللبنانية، في وقت تخوض فيه بيروت ومؤسساتها الرسمية مفاوضات مباشرة (غير مباشرة عسكرياً) مع تل أبيب في واشنطن للغرض ذاته؟
أولاً: الأسباب والغايات الكامنة وراء الشرط الإيراني
إن التدقيق في خلفيات الموقف الإيراني يكشف أن رهن “تفاهم فرساي” الإقليمي بالوضع الميداني في جنوب لبنان ليس مجرد خطوة تضامنية أو إنسانية، بل هو نتاج حسابات إستراتيجية دقيقة تتعلق بالأمن القومي الإيراني ومستقبل نفوذها في المنطقة، وتتلخص في العوامل التالية:
1. حماية “درة التاج” ومستقبل خطوط الردع
يُمثل حزب الله في لبنان الذراع العسكرية والسياسية الأقوى لإيران في المنطقة، وهو ما يُعرف عسكرياً بـ “خط الدفاع الأمامي عن طهران”. إن الحرب القاسية والنزيف المستمر الذي تعرض له الحزب منذ تفجر جبهة الإسناد، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين، وضع البنية العسكرية للحزب تحت ضغط غير مسبوق. تدرك طهران أن استمرار الآلة الحربية الإسرائيلية في قضم أراضي الجنوب وفرض حزام أمني بعمق 10 كيلومترات سيعني تقويضاً تدريجياً لـ “درة تاج” نفوذها الإقليمي؛ لذا، فإن فرض وقف إطلاق النار هو حاجة إيرانية ملحة لإنقاذ الحزب، وإعادة ترتيب صفوفه، ومنع انكساره العسكري الكامل.
2. التمسك بأوراق الضغط على الطاولة الأميركية
في “بازار” المفاوضات الدولية، لا يُمكن للمفاوض أن يجلس أعزل من أوراق القوة. وإيران، بعد أن تعرضت لضربات عسكرية مباشرة خلال نزاع فبراير الفائت، تدرك أن قدرتها على المناورة في ملفات النفط، والبنك المركزي، والبرنامج النووي، تصبح أضعف بكثير إذا تم عزلها عن ساحات حلفائها. إن ربط مصير جبهة لبنان بالمفاوضات الأميركية يمنح طهران قدرة على مقايضة الأمن الإقليمي بالمكاسب السياسية والاقتصادية، وبمعنى آخر: “تريد طهران القول لواشنطن إن الاستقرار في مستوطنات الشمال الإسرائيلي يمر حتماً عبر رفع العقوبات عن البنك المركزي الإيراني في جنيف”.
3. صياغة تسوية إقليمية شاملة لا مجزأة
تخشى القيادة الإيرانية من سيناريو الاستفراد الأميركي-الإسرائيلي بجبهات “محور المقاومة”. فإذا نجحت واشنطن في تحييد إيران عبر اتفاق نووي واقتصادي منفصل، مع ترك يد إسرائيل طليقة لاستكمال سحق حزب الله في لبنان أو الفصائل في سوريا والعراق، فإن إيران ستجد نفسها مستقبلاً معزولة جغرافياً وسياسياً. لذلك، فإن غايتها الأساسية هي فرض معادلة “وحدة الساحات السياسية” داخل غرف التفاوض السويسرية، لضمان ألا تخرج من الـ 60 يوماً المقبلة إلا بتسوية تحمي كامل منظومتها الإقليمية.
ثانياً: هل يحق لإيران التفاوض باسم لبنان؟
هذا السؤال يمثل العقدة السياسية والسيادية الأكثر حساسية في الأوساط اللبنانية اليوم، ويمكن مقاربتها عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. البعد القانوني والدستوري: مساس صارخ بالسيادة
من الناحية القانونية والدستورية الدولية، لا تمتلك أي دولة في العالم الحق أو الشرعية في التفاوض باسم دولة أخرى تتمتع بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة وتملك مؤسساتها الدستورية بوجود رئيس جمهورية، وحكومة، ومجلس نواب.
إن الدولة اللبنانية، عبر وفدها الرسمي المكون من شقين سياسي وعسكري، هي الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بتوقيع الاتفاقيات أو قبول الالتزامات الدولية. وبالتالي، فإن أي تفاوض إيراني يتناول الشأن اللبناني في غرف بورجنشتوك المغلقة يُعد -من وجهة نظر القانون الدولي- خرقاً صريحاً للسيادة اللبنانية، ومحاولة لفرض وصاية سياسية مرفوضة، وهو ما أثار حفيظة قوى سياسية لبنانية واسعة تصر على ضرورة خروج بيروت من عبء المحاور الإقليمية.
2. التناقض مع المسار اللبناني الرسمي في واشنطن
تتبدى المفارقة الكبرى عند النظر إلى جولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غير المباشرة التي تنطلق بعد غدٍ الثلاثاء في العاصمة الأميركية واشنطن وتستمر لثلاثة أيام. هنا، نجد أن الدولة اللبنانية تخوض معركتها الدبلوماسية المستقلة، حيث يتوجه الوفد اللبناني برؤية واضحة تركز على:
- التمسك بتثبيت وقف إطلاق النار الشامل والدائم كشرط أساسي وقاعدة للانطلاق نحو أي تفاصيل أخرى.
- مناقشة الأبعاد التقنية والميدانية في “الجلسة الخامسة” التي تحمل عنوان “المناطق التجريبية”، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الممرحل والكامل من كافة الأراضي المحتلة دون قيد أو شرط.
- الرفض القاطع لأي نوع من “الشراكة الأمنية غير المباشرة” التي تحاول إسرائيل فرضها جنوباً، والتمسك المطلق بانتشار الجيش اللبناني وحده كقوة شرعية عبر ميكانيزمات لجنة المراقبة الدولية، بعيداً عن أي تواصل أمني مباشر مع الاحتلال.
هذا المسار اللبناني الرسمي المتقدم يثبت أن الدولة اللبنانية تملك زمام مبادرتها ولا تحتاج إلى وكيل إقليمي يتحدث باسمها، بل إن الموقف الإيراني الرافض لفكرة “المناطق التجريبية” الأميركية يضع المصالح اللبنانية في تعارض مباشر مع التعنت الإيراني، حيث يرى مصدر وزاري لبناني أن الموقف الإيراني يُعقد المهمة اللبنانية بدلاً من تسهيلها.
3. البعد الواقعي (الجيوسياسي): تفويض الأمر الواقع
رغم الرفض القانوني والسيادي، يرى بعض المحللين من زاوية “الواقعية السياسية” أن إيران لا تتفاوض باسم “الدولة اللبنانية” بمفهومها الإداري، بل تتفاوض باسم “حزب الله” الذي يمثل حليفها العضوي على الأرض والجهة العسكرية الأساسية في جبهة الجنوب.
وبما أن حزب الله يمتلك السلاح والتأثير الميداني المباشر، فإن طهران ترى في نفسها القائد الإستراتيجي لهذا المحور الذي يملك القدرة على إشعال الجبهة أو تهدئتها. لكن هذا الواقع الميداني لا يمنحها الشرعية السياسية، بل يحول الساحة اللبنانية إلى مجرد “ورقة مقايضة” (Card) في البازار الإيراني مع واشنطن، وهو الأمر الذي يدفع ثمنه الشعب اللبناني وبنيته التحتية من دماء الشهداء في قناريت والنبطية والبقاع الغربي.
لبنان بين فكي الموشح والبارود
في الـمحصلة، يمكن القول إن إصرار إيران على ربط مفاوضات سويسرا بوقف إطلاق النار في لبنان هو خطوة إستراتيجية لحماية أمنها الإقليمي ومكتسباتها، وضمان عدم خروجها خالية الوفاض من التفاهمات مع إدارة ترامب. ولكن في المقابل، فإن هذا السلوك الدبلوماسي يفتقر إلى أي غطاء شرعي أو قانوني يخولها التحدث باسم بلد الأرز.
إن لبنان، الذي دفع ولا يزال يدفع أثماناً باهظة من أرواح جنوده ومدنييه، يجد نفسه اليوم في سباق محموم بين مسارين: مسار “وصاية إقليمية” يحاول رهن جنوبه ببازار الملف النووي في الألب السويسرية، ومسار “سيادي رسمي” يحاول وفده العسكري والسياسي انتزاعه في جولة واشنطن المقبلة لفرض السيادة اللبنانية وتثبيت الهدنة الشاملة والانسحاب الإسرائيلي الكامل. ويبقى نجاح لبنان مرهوناً بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها على فرض منطق “السيادة أولاً”، وتحييد الساحة الداخلية عن صراع الجبابرة بين واشنطن وطهران.

