في قراءة متقاطعة تعكس تحول التفاهم الإطاري بين واشنطن وطهران من مسار دبلوماسي مأمول إلى معركة إرادات سياسية وعسكرية محفوفة بالمخاطر، شهدت العاصمة الإيرانية حراكاً رسمياً رفيع المستوى عقب الرسالة الموجهة من قائد الثورة الإسلامية المرشد السيد مجتبى خامنئي إلى الشعب الإيراني.
وأعلنت مراكز القرار الدستوري والأمني في البلاد التزامها المطلق بمضمون الرسالة، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من أي تنصل أميركي أو تفرد إسرائيلي بالميدان، تزامناً مع الانتكاسة الدبلوماسية المتمثلة في إلغاء محادثات سويسرا وتفجر جبهة جنوب لبنان.
رسالة المرشد.. تفويض مشروط ومواجهة العجز الأميركي
فصّل المرشد الإيراني السيد مجتبى خامنئي في رسالته الموجهة للشعب خلفيات توقيع التفاهم بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب الإقليمية التي اندلعت في 28 شباط الماضي.
وأشار المرشد إلى أن رئيس الولايات المتحدة هو من لجأ إلى شتى أنواع أوراق الضغط انطلاقاً من “حالة العجز” لإنجاز هذا التفاهم، معلناً صراحة: «كان لي رأيٌ آخرُ بطبيعة الحال، غير أنني أصدرتُ الإذن بذلك من منطلق الالتزام الذي قطعه رئيس إيران بوصفه رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابةً عن نفسه وسائر الأعضاء، بصون حقوق الشعب وجبهة المقاومة».
وشدد المرشد على أن بزشكيان أعلن بوضوح تحمله المسؤولية الكاملة، وتعهد بعدم الرضوخ لأي إملاءات توسعية أميركية، جازماً بأن المفاوضات المباشرة المرتقبة خلال مهلة الـ 60 يوماً لن تعني بحال من الأحوال الإذعان لرأي العدو، وأن الجميع في حالة ترقب دقيق لتحقق الشروط وصون الثوابت.
الأمن القومي يتعهد بحفظ دماء الشهداء والثأر لعلي خامنئي
ردود الفعل الرسمية جاءت سريعة وحاسمة؛ إذ أصدرت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بياناً ثمّنت فيه توجيهات المرشد، مؤكدة أنها لن تتهاون مطلقاً في تنفيذ أوامره لحماية حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة وصون دماء الشهداء.
وفي بند يحمل أبعاداً عسكرية وعقائدية بالغة الأهمية، شدد المجلس الأعلى في بيانه على أنه «لن يتراجع حتى استيفاء كامل حقوق الشعب الإيراني والثأر لدماء قائدها الشهيد السيد علي خامنئي» (الذي اغتيل في الضربات السابقة)، موضحاً أنه في ظل انعدام الثقة الكامل بالعدو الأميركي الناكث للعهود، فإن أي تجاوز أو إخلال بمسار الاتفاق سيواجه بإجراءات إيرانية مضادة ومجهزة وفق خطط عسكرية موضوعة مسبقاً.
قاليباف وعراقجي.. أيدينا على الزناد والدبلوماسية الحسينية
من جانبه، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن رسالة المرشد وضعت النقاط على الحروف وبيّنت أن التفاهم الإطاري ليس نهاية المطاف بل هو بداية طريق وعر وصعب لاستيفاء الحقوق من “العدو الناكث لعهوده”.
وحذر قاليباف بلهجة عسكرية صارمة من مغبة استخدام منطق القوة ضد طهران أو حلفائها في جبهة المقاومة، معلناً: «إذا سعى العدو لفرض مطالبه المفرطة، فإن إيران مستعدة للرد بحزم وأيدينا على الزناد»، معرباً عن أمله في أن تسهم التوجيهات القيادية في توحيد الصف الداخلي الإيراني.
وفي السياق الدبلوماسي التنفيذي، وجه وزير الخارجية عباس عراقجي رسالة شكر وتقدير للمرشد مجتبى خامنئي، واصفاً إرشاداته بـ”الحكيمة والحريصة” والتشكل سنداً راسخاً لصون العزة الوطنية.
وربط عراقجي التزام وزارته بالمعايير العقائدية قائلاً: «في هذه الأيام من عاشوراء الإمام الحسين، أؤكد أنني ستُسخَّر كل طاقات وزارة الخارجية بالاستعانة بالله والالتزام برؤاكم لحفظ كرامة الوطن، وسنعمل بيقظة وصمود، ولن ندّخر أي جهد لحماية المصالح الوطنية»؛ وهي مواقف تأتي لترسم معالم مرحلة شديدة التعقيد، يتداخل فيها حبر الاتفاقات الدبلوماسية المعطلة في سويسرا بلغة الحديد والنار والكمائن النوعية التي يسطرها حزب الله في كفرتبنيت وعلي الطاهر جنوبي لبنان.

