تفكيك المنبر الإشجائي وعقلنة التديّن: القراءة التنويرية للنهضة الحسينية في أطروحات العلامة السيد محمد حسن الأمين

السيد محمد حسن الأمين
يعتبر العلامة الأمين أن اختزال الثورة الحسينية في بعدها الفاجع والعاطفي (البكاء، العويل، والندب المستمر) يُمثّل جناية كبرى على الجوهر التغييري للنهضة. فالحسين في أطروحته الفكرية لم يخرج مستشهداً لكي يستدر دموع الأجيال عبر القرون، بل خرج طالباً لـ "الإصلاح البنيوي".

مع إطلالة هلال شهر محرم الحرام، يرتفع الستار عن مجالس عاشوراء ليصاحبها بدء إحياء ليالي كربلاء في مختلف الحواضر والمناطق. وفي هذه المناخات الوجدانية التي تمتزج فيها غزارة العاطفة بأسئلة الفكر، تبرز الحاجة الملحة لاستدعاء الرؤى التنويرية التي أسست لقراءة واعية وجديدة للنهضة الحسينية،وفي طليعتها القراءة الإصلاحية للعلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين، الذي أعاد صياغة مفهوم الإحياء لينقله من حيز المأساة المجردة إلى رحاب الثورة الأخلاقية والقيم الإنسانية الشاملة.

الحاضنة الفكرية والنزعة التجديدية لفقيه الحداثة والمواطنة

يُمثّل العلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين (1946 – 2021) قامة فقهية، أدبية، وفلسفية استثنائية في تاريخ الفكر الإسلامي والشيعي المعاصر. فقد تميز بموقعه داخل المؤسسة الدينية كعالم مجتهد تخرّج من حواضر النجف الأشرف، لكنه اشتبك مبكراً مع أسئلة الحداثة، الدولة، والمواطنة.

عُرف الراحل بشجاعته الفائقة في نقد الموروث السلوكي وتفكيك البنى التقليدية للتدين الشعبي، داعياً إلى إعادة بناء الفقه الإسلامي على ركائز العقلانية والعدالة الاجتماعية.

جادل العلامة الأمين بأن هذه الطقوس الدخيلة على الفقه الجعفري الأصيل تفتقر إلى أي مستند شرعي، روائي، أو أخلاقي، بل هي نتاج تراكمات ثقافية وفلكلورية وافدة نشأت في عهود الانحطاط الفكري والسياسي

وتتجلى هذه النزعة التجديدية في قراءته لـ “الحدث الكربلائي”، إذ لم يتعامل مع عاشوراء بوصفها مجرد واقعة تاريخية مغلقة، بل قرأها كأطروحة فلسفية مستمرة تهدف إلى تحرير الإنسان وصون كرامته المتجاوزة للحدود الطائفية والمذهبية الضيقة.

أبعاد الثورة الحسينية.. من البكاء المجرد إلى الوعي الحضاري الحركي

في تشريحه الفلسفي لحركة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، ينطلق السيد الأمين من رؤية إبستمولوجية ترفض حصر الواقعة في دائرة “المظلومية السلبية”. ويرى أن صراع كربلاء لم يكن نزاعاً سياسياً محصوراً على السلطة والامتيازات بالمعنى الضيق، بل كان مواجهة وجودية وتاريخية كبرى بين منهجَين:

  1. منهج الاستبداد السياسي وعقدة طاعة الحاكم الخانعة: الذي حاول تحويل الدين إلى أداة لتسويغ القمع ومصادرة إرادة الأمة.
  2. منهج الحرية والمسؤولية الأخلاقية: الذي قاده الإمام الحسين لإعادة الأمة إلى قيمها الأخلاقية والإنسانية الأصيلة.

ويعتبر العلامة الأمين أن اختزال الثورة الحسينية في بعدها الفاجع والعاطفي (البكاء، العويل، والندب المستمر) يُمثّل جناية كبرى على الجوهر التغييري للنهضة. فالحسين في أطروحته الفكرية لم يخرج مستشهداً لكي يستدر دموع الأجيال عبر القرون، بل خرج طالباً لـ “الإصلاح البنيوي”. لذلك، كان يركز على مفهوم “الوعي المتبصر” بدلاً من “الحزن العشوائي”، داعياً إلى تحويل المنسوب العاطفي الهائل المتفجر في عاشوراء إلى طاقة إيجابية قادرة على بناء المجتمع، مواجهة الطغيان الحديث، وتغيير الواقع نحو الأفضل. كربلاء في فكره هي ملك للإنسانية الباحثة عن العدالة وليست ملكاً لطائفة بعينها.

تشريح العادات الدخيلة.. نقد التطبير وتفكيك المنبر الإشجائي

شكلت مظاهر الإحياء المعاصرة مساحة واسعة من النقد الفقهي والاجتماعي الحاد لدى السيد محمد حسن الأمين. فقد كان في طليعة الفقهاء التنويريين الذين وقفوا علناً وبحسم فقهي ضارب ضد العادات والطقوس المبتدعة التي تسيء إلى الصورة الحضارية للثورة الحسينية، وعلى رأسها طقس “التطبير” (إسالة الدم من الرؤوس باستخدام الآلات الحادة) وممارسات الإيذاء الجسدي.

يعتبر العلامة الأمين أن اختزال الثورة الحسينية في بعدها الفاجع والعاطفي (البكاء، العويل، والندب المستمر) يُمثّل جناية كبرى على الجوهر التغييري للنهضة

جادل العلامة الأمين بأن هذه الطقوس الدخيلة على الفقه الجعفري الأصيل تفتقر إلى أي مستند شرعي، روائي، أو أخلاقي، بل هي نتاج تراكمات ثقافية وفلكلورية وافدة نشأت في عهود الانحطاط الفكري والسياسي. ونبّه إلى أن هذه الممارسات المشهدية العنيفة تؤدي إلى “تنفير” المجتمعات المعاصرة من رسالة الإسلام الشاملة، وتصوير كربلاء كحدث دموي لا عقلاني، بينما هي في كنهها قمة التضحية الإنسانية الواعية.

ولم يوفر الراحل نقد “المنبر الإشجائي”، وهو الأداء الخطابي الذي يعتمد كلياً على المبالغات الروائية، الأساطير التاريخية، والقصص غير المحققة علمياً بغية استدرار الدموع بأي ثمن. وطالب في المقابل بإرساء “منبر حسيني معرفي وتنويري” يربط قيم كربلاء بقضايا العصر الراهن؛ مثل تفكيك الفساد المؤسسي، حماية الحريات العامة، ومكافحة الجوع والجهل.

عاشوراء كمنطلق للمواطنة وفلسفة الوحدة الإسلامية والعربية

من الأفكار الأكثر تميزاً واستشرافاً في فكر السيد الأمين هي صياغته لعاشوراء كجسر للتواصل الإنساني والوحدة الوطنية، لا كخندق للتمترس المذهبي الطائفي وإثارة الأحقاد التاريخية. فقد كان يرفض رفضاً قاطعاً تحويل هذه المناسبة السنوية إلى منصة للشحن المذهبي، أو استدعاء صراعات القرن الأول الهجري لتغذية استقطابات القرن الحادي والعشرين.

من الأفكار الأكثر تميزاً واستشرافاً في فكر السيد الأمين هي صياغته لعاشوراء كجسر للتواصل الإنساني والوحدة الوطنية، لا كخندق للتمترس المذهبي الطائفي وإثارة الأحقاد التاريخية

كان السيد يرى أن الحسين ثار لإنقاذ جوهر الدين وتحرير الإنسان كقيمة مطلقة، وبناءً عليه، فإن ذكرى شهادته يجب أن تجمع الكلمة حول مبادئ الحق المشتركة.

وفي السياق العربي واللبناني المعقد، وظّف العلامة الأمين مفاهيم النهضة الحسينية لتأصيل فكرة “المواطنة والدولة الحديثة”. فأكد في أطروحاته أن “الثورة على الظلم” بمفهومها الحسيني المعاصر لا تتجلى في الطقوس المنغلقة، بل في السعي الدؤوب لبناء دولة القانون، المؤسسات، والعدالة الاجتماعية التي تحمي المواطن وتكفل حريته الفكرية والسياسية دون أي تمييز ديني أو طبقي.

آفاق الإصلاح الديني المستدام

رحل السيد محمد حسن الأمين تاركاً خلفه إرثاً فكرياً غنياً يُمثّل خريطة طريق لإصلاح البنية الفكرية الدينية، وكانت عاشوراء بالنسبة له تمثل النبض الحي والمختبر الفعلي لهذا التجديد. إن رؤيته القائمة على عقلنة الطقوس، وتقديم الجوهر الأخلاقي والإنساني على المظهر العاطفي العابر، تظل حاجة ملحة للمجتمعات المعاصرة للخروج من أزمات الهوية، والجمود الفكري، والاستقطاب الطائفي، وإعادة الاعتبار لكربلاء كرمز كوني للحرية والكرامة الإنسانية المطلقة.

السابق
ترامب اجتماع «الدول الصناعية السبع» لم يقدّم التزامات..فكيف ستردّ اسرائيل؟