بالأمس، تلقّيت هدية مميزة جداً.
لم تكن هدية باهظة الثمن، ولم تكن مغلّفة بورق فاخر، ولم تأتِ من متجر فخم أو من بلاد بعيدة. هدية من خيرات أرض الجنوب، حامض ومشمش قُطفا من بساتين صديقة عزيزة من جنوب لبنان.
ولذلك تحديداً، تكمن الأهمية المعنوية لهذه الهدية القيّمة.
في الأزمنة العادية، قد تعبر سلّة الفاكهة عن مجرد صداقة طيبة، صافية. أما في لبنان، وخصوصاً في هذه اللحظة، فإنها لفتة تحمل الكثير من العمق والعِبَر. لا يندرج الليمون والمشمش في خانة الفاكهة فقط، بل يذكران بأرض لا تزال تنضح حياةً، حتى حين يصرّ المسلّحون على تحويلها إلى ساحة حرب. يشير الليمون والمشمش إلى أن الجنوب ليس «جبهة» بحد ذاته، ولا منطقة عسكرية، ولا شعاراً يردده رجال يختبئون خلف معاناة الناس. الجنوب هو أرض وبيت.
الجنوب الذي يسكنه الناس لا الشعارات
صديقتي وعائلتها يحبون تلك الأرض، لقد اتخذوها موطناً لهم. فهم يعشقون مواسمها، ويتحسسون تربتها الخيّرة، ويتفيؤون تحت أشجارها، ويصغون إلى صمت وديانها، ويعيشون من كرمها اللامتناهي. لقد أُنهكوا كي يبنوا حياتهم في هذه البقعة من الأرض، ويربّوا عائلاتهم، ويثبتوا جذوراً أعمق من السياسة وأقوى من الخوف. بيوتهم لم تُبنَ كي تكون مواقع عسكرية. بُنيت كي تحتضن أطفالهم وتحميهم، وتضج بضحكاتهم، وتمتلئ بموائدهم الغنية، وتستوعب خلافاتهم الصغيرة، وتحمل أعراسهم، وأحزانهم، وذاكرتهم، ومشاعرهم، لا سيما حبهم المفعم.
البيوت ليست مواقع عسكرية
هذا ما لن يفهمه حزب الله، ومعه حرس الثورة الإيراني، الذين يتعاملون مع لبنان بوصفه امتداداً لمشروعهم الإقليمي. هؤلاء لا يكترثون للذكريات التي تسكن هذه البيوت. لا تعنيهم أصوات الأطفال في الممرات، ولا رائحة القهوة الصباحية، ولا الصور القديمة المعلقة على الجدران، ولا وقار وكرامة عائلات تريد فقط أن تعيش بسلام على أرضها.
بالنسبة إلى حزب الله، القرية موقع استراتيجي، والبيت غطاء، والبلدة الحدودية ورقة ضغط في مفاوضات لا يكون أهلها طرفاً فيها. يُختصر الجنوب بكلمة «المقاومة»، فيما يُطلب من أهل الجنوب أن يدفعوا الثمن، وأن يدفنوا موتاهم، وأن يعيدوا بناء الجدران بصمت.
حكاية الليمون والمشمش
لكنّ ليمون ومشمش الصديقة الجنوبية يرويان حكاية أخرى.
تشير رواية الليمون والمشمش إلى أن لبنان لا يستطيع حزب الله أن يدمّره بالكامل، لأن أهل هذه الأرض هم أناس عاديون ما زالوا يزرعون، ويحصدون، ويطبخون، ويتقاسمون لقمة العيش، ويستحضرون ذكرياتهم. وأن هناك عائلات ترفض أن تسلّم جوهر أرضها للميليشيات والجنرالات الأجانب. حكاية الليمون والمشمش هي سردية الجنوب الذي لا تملكه طهران، ولا يمثله من يجرّه إلى الحرب، ولا يعرّف عنه من يحتفل بالخراب باعتباره نصراً.
هناك شيء سياسي عميق في ثمرة تُقطف من أرض مهددة. الليمونة الآتية من الجنوب اليوم ليست مجرد ليمونة. إنها فعل تجذر في الأرض وعزيمة ثبات. أما المشمشة المقطوفة من بستان عائلي فهي ليست مجرد ثمرة، إنها دليل على أن الحياة مستمرة رغم الذين يربحون من الموت.
مقاومة الحياة في وجه ثقافة الموت
لهذا أثّرت فيّ تلك الهدية.
لأنها حملت تعب عائلة، وحنان صديقة، ومأساة بلد يُطلب من ناسه دائماً أن يثبتوا حبهم له عبر النجاة من الكوارث المفروضة عليهم. ذكّرتني بأن خلف كل عنوان عن «التصعيد» و«الجبهات» و«قواعد الاشتباك»، هناك أناس لديهم بساتين وحقول يعتنون بها، وأهل يرعونهم، وأطفال يربّونهم، وبيوت يخافون أن يخسروها، لا لأنهم اختاروا الحرب، بل لأن الحرب اختيرت لهم.
الجنوب الحقيقي ليس ذلك الذي تعرضه فيديوهات حزب الله الدعائية. ليس جنوب الرجال المقنعين، والصواريخ، والأنفاق، والجنازات التي تُحوَّل إلى مسرح سياسي. الجنوب الحقيقي هو عائلة صديقتي وهي تقطف الحامض والمشمش من أرض تحبها. الجنوب هو العائلات التي تفتح بيوتها، وتحفظ كرامتها، وترفض أن تمحو لغة الموت لغة الانتماء.
كانت الهدية سلّة صغيرة من الفاكهة.
لكن في لبنان هذا، وفي هذه اللحظة تحديداً، بدت لي فعلاً من أفعال المقاومة ضد “المقاومة”.

