مع اقتراب إيران من منعطف سياسي حاسم، لم يعد الصراع مقتصرًا على مواجهة الديكتاتورية الحاكمة فحسب، بل تحول إلى معركة وعي لتمييز المعارضة الديمقراطية الأصيلة عن البدائل المصطنعة التي تهدف إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأقنعة جديدة. إن ما يقف أمامه الشعب الإيراني اليوم هو نتاج سبعة وأربعين عاماً من المقاومة والتضحية والخبرة التاريخية؛ مما يجعل فهم هذا الواقع وفضح الخيارات الزائفة ممراً إجبارياً لإسقاط النظام وتأسيس إيران الحرة.
لماذا يخشى النظام بديل لا الشاه ولا الملالي؟
أصبحت الأولويات الاستراتيجية للجهاز السياسي التابع للنظام الحاكم مكشوفة أكثر من أي وقت مضى؛ فبعد عقود من تجريب كافة أساليب البطش والدعاية والتضليل، أدركت السلطة المستبدة أن الخطر الأكبر الذي يهدد وجودها ليس الضغوط الخارجية أو الصراعات الفصائلية الداخلية، بل هو صعود بديل ديمقراطي مستقل وموثوق قادر على الالتحام بالحاضنة الاجتماعية.
ولهذا السبب، يكرس النظام وحلفاؤه موارد هائلة لطمس الفوارق بين الحركة الديمقراطية الحقيقية والبدائل الاصطناعية، بهدف منع الشعب من تمييز القوى الهادفة للتغيير الجذري عن تلك التي تسعى لتدوير الاستبداد القديم تحت لافتات جديدة. إن تيار المعارضة الديمقراطية الذي يلخصه شعار لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي استطاع البقاء والنمو رغم عقود من التشويه والقمع، ليخرج أكثر صلابة وشرعية سياسية، مما يفسر سبب استماتة النظام لقطع صلة المجتمع بهذا البديل كجزء أساسي من استراتيجية بقائه.
معركة الوضوح السياسي في مواجهة التشويش
تنتعش الأنظمة السلطوية في مناخات الفوضى والتشويش؛ فعندما تتداخل الخطوط الفاصلة بين القوى الديمقراطية وتلك المناهضة للحرية، يجد المواطن صعوبة في تلمس طريق الخلاص. وفي هذا الإطار، تتحرك منصات إعلامية وسياسية مشبوهة لمحاولة رد الاعتبار للنزعات الدكتاتورية المرتبطة بعهد الشاه السابق، وتقديمها زيفاً كبديل ديمقراطي، لفرض عوائق تعزل المجتمع عن المعارضة المستقلة التي ترفض كافة أشكال الاستبداد، سواء كانت الشاه أو الملالي.
إن التحدي الراهن يفرض على كل مواطن يصبو لمستقبل بلاده التمسك بالوضوح السياسي وطرح الأسئلة الجوهرية:
ما هي القوى التي وقفت بثبات وتواصُل ضد الديكتاتورية؟
ما هي التنظيمات التي حافظت على استقلاليتها الكاملة عن المصالح الخارجية وعن هياكل الاستبداد المحلي؟
من يمتلك برنامجاً متكاملاً للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسيادة الوطنية، والتعددية السياسية؟
إن الإجابات عن هذه الأسئلة تكتسب أهمية قصوى مع اقتراب إيران من لحظة التحول الكبير.
أمة تقترب من نقطة التحول التاريخي
يستيقظ نظام الولي الفقيه يومياً على هواجس انفجار الانتفاضات الشعبية العارمة؛ فالاحتجاجات المتلاحقة والضائقة المعيشية المتفاقمة عرت شرعيته المفقودة تماماً. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الشعب الإيراني يرفض النظام الحالي جملة وتفصيلاً، مثلما أكدت المخاطر التاريخية المترتبة على استبدال دكتاتورية بأخرى.
من هنا، تكتسب ثنائية لا الشاه ولا الملالي أهميتها الوجودية كإطار جامع لا يقوم على الأحادية الفكرية، بل يستوعب التطلعات الديمقراطية المتنوعة الملتفة حول مبادئ أساسية تلخص الحل البنيوي:
إسقاط منظومة الولي الفقيه بالكامل.
الحفاظ على استقلال إيران ووحدة أراضيها.
الرفض القاطع لكافة أشكال الديكتاتورية، سواء كانت مرتبطة بالماضي أو الحاضر.
تأسيس جمهورية ديمقراطية تقوم على السيادة الشعبية.
صيانة الحقوق الأساسية والحريات السياسية.
المسؤولية الوطنية في اللحظة الراهنة
إن مآلات معركة الحرية في إيران تعتمد بشكل وثيق على عمق الصلة بين الحاضنة الشعبية والمعارضة الديمقراطية المنظمة؛ إذ لا يمكن لأي تحول سياسي أن يكتب له النجاح دون هذا التلاحم البنيوي بين تطلعات الجماهير والقوى التي تقود التغيير.
وتبزر في هذا المنعطف الحرج مسؤولية وطنية وأخلاقية ملحة لتوسيع نطاق الوعي السياسي، ونقل الحقائق التاريخية والبدائل الواضحة إلى الداخل الإيراني والمجتمع الدولي على حد سواء، لفضح الأكاذيب السلطوية وتدعيم الحراك الرافض لإعادة إنتاج الاستبداد بكافة أقنعته.
إن السؤال المركزي اليوم لم يعد هل سيحدث التغيير، بل هل سينتج هذا التغيير ديمقراطية حقيقية أم نسخة معدلة من الحكم الفردي المطلق؟ والإجابة تكمن في تقوية البديل الديمقراطي الذي يقف بحسم ووضوح ضد الشاه والملالي معاً.

