لم تكن الأمّ في الأدب العالمي عمومًا، وفي الأدب العربي خصوصًا، مجرّد ظاهرة اجتماعيّة أو ضلعًا سوسيولوجيًا من مركّب الأسرة والعائلة، بل شكّلت مرآة لهوية المبدع وتجليّاتها الثقافيّة والاجتماعيّة والأيديولوجيّة. فمنذ العصر الجاهلي وصدر الإسلام، قُرئت الأم من خلال صفاتها النمطية والبديهية كالحنان والعطف والحماية.
فالخنساء، شاعرة الجاهلية التي فقدت أبناءها الأربعة في معركة القادسيّة، تحوّلت إلى رمز للصبر والرثاء ومنح الألم قيمة إنسانيّة وإبداعيّة. كما أن الرواية الشهيرة عن عمرو بن كلثوم وقتله عمرو بن هند دفاعًا عن كرامة والدته ليلى بنت المهلهل جعلت الأم رمزًا للشهامة والعزّة والكرامة.
أم النهضة: المعرفة والإلهام وصناعة الأجيال
في عصر النهضة، تجاوزت الأم صورة الحنان التقليدية لتصبح مصدر معرفة وإلهام. فوالدة جبران خليل جبران، كاملة رحمة، كانت الداعمة الأولى لموهبته، فيما رسّخ حافظ إبراهيم صورة الأمّ بوصفها صانعة الأمم بقوله الشهير: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق».
لكن الحداثة الشعرية ستفتح الباب أمام مقاربات جديدة ومتباينة لمفهوم الأم، يمكن اختزالها في اتجاهين أساسيين: اتجاه يرى الأم مصدرًا للحياة والأمل والأمان، وآخر يجعلها بوابة للاحتفاء بالموت والتضحية والفقدان.

محمود درويش: الأم بوصفها دورة الحياة اليومية
لم يبتعد محمود درويش كثيرًا عن هذه الرؤية. ففي قصيدته الشهيرة «أحن إلى خبز أمي»، تتحول الأم إلى رمز للحياة اليومية بكل تفاصيلها البسيطة والعميقة.
يقول:
«أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي…»
فالخبز والقهوة واللمسة ليست مجرد أشياء عابرة، بل مفردات تنتمي إلى حقل الحياة بكل ما فيه من دفء واستمرارية. كما أن أفعال «أحنّ» و«أعشق» و«أخجل» تؤكد حضور الأم بوصفها مصدرًا للعاطفة والوجود والهوية.
لم يكن درويش يصف الأم من الخارج، بل كان يربطها بالدورة الحياتية والاقتصادية والوجدانية لمجتمع لا يستطيع الاستغناء عن هذا الركن الأساسي من أركان الأسرة.

بدر شاكر السياب: الأم والأرض… سلطة الانتماء
أما بدر شاكر السيّاب، فقد قدّم مقاربة مختلفة حين دمج صورة الأم بصورة الأرض في قصيدته «جيكور أمي». فجيكور، قريته العراقية، تتحول إلى أم كبرى تحتضنه مهما بلغ ضعفه وانكساره.
يقول:
«تلك أمي وإن أجئها كسيحًا
لاثمًا أزهارها والماء فيها والترابا»
هنا تبدو الأم سلطة رمزية كبرى، يعود إليها الابن مهما ابتعد أو تهشّم. وهي سلطة لا تقوم على القهر، بل على الحاجة الوجودية للانتماء والعودة إلى الأصل.
ورغم ما يمكن قراءته من أبعاد سلطوية في النص، فإن السياب يكرّس الأم بوصفها مصدر البقاء والاستمرارية والحياة.

شوقي بزيع: الأم بوصفها ملاذًا للحياة
على الضفة المقابلة، يرسم الشاعر اللبناني شوقي بزيع صورة مختلفة للأم في قصيدته «كأنّي ما زلت أعدو هناك». فالأم هنا ليست بوابة للفقدان، بل مساحة للنجاة والحماية.
يقول مخاطبًا والدته:
«أريد يديكِ لأنجو
جناحيكِ كيما أرفرف فوق حطامي…»
يتحدث الشاعر بضمير المتكلم، مستعيدًا هشاشته الأولى وحاجته المستمرة إلى الأم. كما يربطها بالطبيعة عبر شبكة واسعة من المفردات مثل العصافير والكستناء والحبق والعنب، لتغدو الأم جسرًا يصل الإنسان بالحياة في أكثر صورها خصوبةً وامتلاءً.

حسن عبدالله وقصيدة «أجمل الأمهات»: حين يصبح الموت جمالًا
يُعدّ الشاعر اللبناني الراحل حسن عبدالله من أبرز الأصوات التي أسهمت في تطوير قصيدة النثر العربية ومنحها أفقًا جديدًا منذ مرحلة ما بعد بيان «لن» لأنسي الحاج.
غير أنّ قصيدته الشهيرة «أجمل الأمهات»، المكتوبة في سبعينيات القرن الماضي في مناخ المقاومة واليسار الثوري، تطرح إشكالية عميقة في تمثيل صورة الأم. فالقصيدة التي تقول: «أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها… وعاد إليها شهيدًا»، تجعل الانتظار – بما يحمله من قلق وألم – مقدمةً لجمال الأم، فيما يتحول استشهاد الابن إلى ذروة هذا الجمال.
هنا تبدو الأم وكأنها تتقبّل الفاجعة بوصفها لحظة مجد، لا لحظة خسارة إنسانية. فهل يمكن للأم أن تجد عزاءها الحقيقي في موت ابنها؟ وهل يصبح الفقدان أقل قسوة حين يُزخرف بالشعارات والأيديولوجيات؟

بين «الدمار العظيم» وتمجيد الفاجعة
تزداد الإشكالية وضوحًا في قول الشاعر: «صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم». فهل يمكن أن يجتمع الدمار والعظمة في صورة واحدة؟ أم أن الشاعر أراد بالعظمة هنا ضخامة الكارثة واتساعها؟
وبصرف النظر عن صحة ما أُشيع لاحقًا حول ندم حسن عبدالله على القصيدة، فإن النص الأدبي بعد نشره يغدو ملكًا عامًا، خاضعًا للتأويل والنقد خارج إرادة صاحبه. فالقصائد، كالأوشام، تظل ملازمة لأصحابها حتى وإن تراجعوا عنها.
تكشف هذه النماذج الشعرية أن صورة الأم في الشعر العربي الحديث ليست واحدة. فهي تتأرجح بين كونها رمزًا للحياة والأمل والنجاة، وبين تحويلها إلى شاهد على الفقدان وتمجيد الموت.
ويبقى السؤال النقدي مفتوحا : هل القصيدة هي التي تفرض نفسها على الشاعر ام هو الذي يتولى صناعتها كما جنح بول فاليري في تعريف الشعر ووسم معظمه بالصناعة؟

